وجهة نظر

«عنزة.. ولو طارت!»
إعداد: جورج علم

 

إنها الرمز لجبال الصوّان

جاء يطالبني بـ«عنزة الإستقلال!».
المكان، وزارة الخارجيّة والمغتربين. الزمان، مطلع تشرين الثاني من العام 1974.
كنت في صبيحة ذلك اليوم، منهمكًا بمطالعة الصحف، أدقق في ما نشرته عن نشاطات الوزارة، والوزير. وفجأة يدخل الحاجب مدفوعًا باستغراب وحشرية: يا أستاذ.. هناك رجل على المدخل يريد مقابلتك.
- ما اسمه؟
- يقول أنه من عائلة العلم.
أخذتني الدهشة، «من تراه يكون؟!». أهو واحد من الأقارب؟ ولماذا في هذا الوقت؟! أسئلة واستنتاجات لا تستند الى أي معلومات مسبقة.
مرّت ثوان من الحيرة، قبل أن أجيب بعفوية قلقة:  «دعه يدخل!».
رجل في العقد السادس من العمر، مديد القامة، عريض المنكبين. شاربان معكوفان، ورأس تعلوه لبّادة خرطوميّة الشكل، تزيّنها كوفيّة من الحرير الأسود تنهدل فوق عباءة متقنة بجودتها، تغطي الجزء الأبرز من شروال كحلي اللون، مطرّز بخيوط من ذهب، وحذاء طويل الساق، بنيّ اللوّن، وفي يده عصا غليظة من السنديان، متقنة، ومطعّمة بالفضّة، وتخترقها شرّبات من الجلد الأسود الذي كانت تشتهر به دبّاغات لبنان.
شخصيّة فولاذيّة، مقدودة من صوان الجبل، تفرض احترامها ووقارها فور حضورها. أهلا وسهلا، وبعد التحية والسلام والترحيب، عرّفني عن نفسه، من بسكنتا، ومن عائلة العلم، يملك قطيعًا من الماعز، ويتعاطى الشأن العام على مستوى البلدة والمحيط، كما يملك محلًا تجاريًّا لبيع الحبوب، والمــواد الغــذائيّـة، متزوج، وأب لسبعة شباب وخمس بنات، قارىء شغوف للصحف والمجلات، ومتابع جيّد للتطـورات المحليّة والإقليميّة، وهذا ما أتاح له التعرف الى إسمي، فقرر مدّ جسور التواصل، واستعان ببعض الزملاء الذين «خابزوه ومالحوه» بحكم الصداقة، فأهدوه الى عنواني...  سألته: بماذا أستطيع أن أخدمك؟
- ... أبدًا.. أبدًا،  أعتذر أولًا لأني قصدتك من دون موعد، وثانيًا جئت مدفوعًا بشعور غريزي، لأتعرّف إليك شخصيًّا كونك من آل العلم، ولأني معجب بما تكتب. وثالثًا لأحضّك على إثارة موضوع على مستوى الرأي العام يتناول خلفيّة تراثيّة، ومرتبط بجذور وطنية تمتد عميقًا في تربة لبنان، وجبله الشامخ...
- ما هو؟..
- واستطرد... وكأنه لم يسمع السؤال: أحوالي والحمد للّه جيدة، ومنّ عليّ ربي أكثر مما أستحق، ونجحت في أن أرسم خارطة طريق لأولادي، واحد كرّس حياته للخدمة الإنسانية من خلال المؤسسة الروحيّة التي انتسب اليها، والثاني الى الجيش ليخدم الوطن من خلال المؤسسة العسكريّة، والثالث، وجّهته الأرض، والاهتمام بالعقارات، والبساتين، والمواسم، والخيرات، والماشية التي نملك، أما الأربعة الآخرون فللتجارة، والمهن الحرّة.
وأضاف: قصدتك اليوم لنناقش معًا مشهدية رمزيّة، لا تزال تحفر عميقًا في ذاكرتي، وتثير أشجاني، على أمل أن تقوم إعلاميًّا بما يمليه عليك الضمير الوطني لكي تستعاد، ويستعاد ذلك المشهد المعبّر؟!
- ما هي؟
- أتذكر العنزة؟
- أية عنزة؟
- تلك التي وضعها (الرئيس) بشارة الخوري، و(الرئيس) رياض الصلح، ورجالات الإستقلال، في مقدّمة العرض العسكري الذي كان يقام سنويًّا احتفاء بذكرى 22 تشرين الثاني. كانت البيارق والأعلام في المقدمة، ثم العنزة التي كانت «تتغندر» على وقع موسيقى الجيش، وبعدها سائر الفرق، والوحدات المشاركة.
يصمت هنيهة، ويأخذ نفسًا عميقًا، قبل أن يتابع: «العنزة شيء مهم، لقد افتقدناها منذ سنوات، ولم نعد نشاهدها تتصدر العرض، وتدبّ مغناجة، غير عابئة بتصفيق الحشود التي كانت تتقاطر من مختلف المناطق للتصفيق لعسكر لبنان، ولوحدات الجيش اللبناني المشاركة!».
ويضيف متأثرًا: «العنزة، كانت تمثّل مشهدًا رائعًا يا إبني، إنها رمز الجبل اللبناني الشامخ، رمز عنفوانه، وصعوبة مسالكه، واخضرار أديمه، حيث غابات العفص والسنديان، والملول والوزّال، حيث الصنوبر والشربين، والأيادي السمر التي تزرع ولا تقطع، وعرق الجبين المجبول بالتراب، حيث البنفسج، والأقحوان، والورد البرّي...».
حاولت أن أقاطعه، لكن عبثًا، إذ أًصرّ على سرد مداخلته، متسائلًا: أتعرف النشيد الوطني؟
- طبعًا، لقد تعلّمته في المدرسة.
- جاء في النشيد الوطني اللبناني: «سهلنا والجبل، منبت للرجال». العنزة في مقدمة العرض ترمز الى هذا الجبل تحديدًا، تسلك معارجه، وتتسلّق مرتفعاته بدلال وعنفوان، ولا تأكل إلا من رأس الطربون، ولا تشرب إلّا من رأس النبع، او فم المزراب. صمدت مع أجدادنا في هذا الجبل، عاشت معهم  «الحلو والمر»، وعانت ما عانوه من جوع، وفقر، وشظف عيش، ومن بؤس واضطهاد في زمن الاحتلالات، والهيمنات، من السلطنة العثمانية، الى الانتداب الفرنسي!. إعتمدوا على الزراعة، وتربية المواشي، فتحوّل القطيع الى قطعان، والحليب الى زبدة، ولبن، وجبنة ضرفيّة، ومزاريب من ذهب...
- .. طيب.. هذا مفهوم.. ولكن ما المطلوب منّي فعله؟!
- أن تكتب.
- أكتب ماذا؟
- مقالًا من «كعب الدست» يعيد العنزة كي تحتلّ مكانها في العرض.
- وإن فعلت.. وكتبت.. ولم يحصل ما ترجوه وتتمناه؟
- نكون قد رضينا ضميرنا، وقمنا بما يمليه علينا الواجب!.. على كل حال أنا ممتن جدًّا للضيافة، والمودة، وحسن الاستقبال.. وآمل أن تشرّفنا، وتزور بيتك، وعائلتك، وأهل عشيرتك في بكسنتا!...
- شكرًا.. شكرًا.. ما العنوان؟!
أجاب: «أبو الشباب..  مين ما سألت ببسكنتا عن أبو الشباب، بيدلّوك عالبيت، إننا في انتظارك!».
-------------
ودّعته متأثرًا حتى الباب الرئيس للوزارة، وفي خاطري كلام حفظته من كتاب الإنشاء، وأنا في المرحلة الإبتدائيّة: «خريطة هذا الوطن تصنعها يد وضعت كفّها على المحراث.. وأخرى على القلم.. أما حدوده فترسمها السواعد المفتولة والجباه السمر التي أقسمت اليمين زودًا عن وطني.. لبنان!».