قصة قصيرة

الأبراج
إعداد: العميد الركن المتقاعد إميل منذر

وقفتْ أمام المرآة طويلًا تتأمّل وجهها وقد عَلَتْه مسحة كآبة، وتنظر إلى عينيها اللتين أرهقهما دوام الهمّ وطول السهر. رفعتْ أرنبةَ أنفها بإصبعها، وتمنّت لو كان أشمَّ أقنى. هذا الأنف أصبحت تكرهه مثلما تكره حاجبيها المقوّسين. فيا ليتهما كانا كسيفين يمانيين طالما تغنّى بهما شعراء العرب منذ الجاهلية الأولى إلى اليوم. تبًّا لهم ولشعرهم، قالت في نفسها. إنهم كذّابون دجّالون. كم قالوا إن الجمال الحقيقيّ في العِلم والأدب ونقاوة الروح! لكنهم في الواقع لا يُغرمون إلا بتفّاح الخدّين، وعنّاب الشفتين، ودقّة الخصر، واستدارة النهدين. أما الروح فلا مَن ينظر إليها، وينظم الشعر فيها.
 جمعتْ شعرها الأسود الطويل، وأسدلته فوق جهة واحدة من صدرها. وقرّبت وجهها من المرآة مذعورة حين لمحت تلك الشعرة تلوح في مفرقها. آه!! لقد بدأ جيش الشيب يغزو رأسها بجنوده البيض.

 هدى فتاة في الخامسة والثلاثين من عمرها. متوسّطة الجمال هي. تحمل إجازة من الجامعة في الفلسفة. لكنها لم تجد عملًا، ولا فارسَ أحلام يأتيها على صهوة حصان أبيض؛ فبقيت في بيت أهلها تساعد أمّها، وتندب حظّها، وتقرأ القصص الغرامية، وكتُب الفلسفة، و... الأبراج. علّ الأخيرة تخبرها بما تخبئ الأيّام لها.
 زرتها يومًا لأن أباها صديقي، ولأنني كنت آنَسُ لحديثها إلّا متى كان في التنجيم والعِلم بالغيب. ولمّا دخلتُ وسلّمت وجلست، لفتَ نظري ورق اللعب مفتوحًا، ومصفوفًا على المنضدة بالطول والعرض. قالت: أنظرْ. لقد وصلتُ إلى طريق مسدود. الورق ينبئني أن نهاري سيكون سيّئًا. آه لو ان هذه الورقة ههنا!! قالت وأخذت الورقة من مكانها في أحد الأعمدة، وجعلتها في عمود آخر. قلت ضاحكًا: ألا تستطيعين أن تغشّي قليلًا؟ أجابت: قد أستطيع أن أغشّ نفسي، ولكن أنّى لي أن أغشّ حظّي ونصيبي!!

- أبالورق تعرفين حظّكِ ونصيبك!
- بالتأكيد. ليس في الكون ما يحدث صدفةً. كلّ شيء مكتوب ومقدّر. والخالق لا يكلّمنا، لكن يعطينا إشارات وعلامات.
- ألا رحمَ الله ابنَ الرومي.
- ما به؟
- كان مثلكِ يؤمن بالإشارات والعلامات.
- لقد أثَرْتَ فضولي.
- خرج يومًا من بيته في حاجة له ملحّة. وفيما كان يعبر فِناءَ البيت، رأى على الأرض أمامه عودَين متعامدين وبعض ثمار التمر ساقطة من شجرة البلح؛ فقال: هذا يعني «لا تمرّ». فعاد إلى بيته متَطَيِّرًا، ولم يخرج إلا صبيحة اليوم الثاني.
- أنت، لا شكّ، تسخر. ألم تقرأ في الكتاب المقدّس عن علامات قيام الساعة! كلّ شيء بعلامات.
- لقد جُنّت ابنتي، قال الوالد منفعلًا مستاءً، ووقف، ثم خطا خارجًا يهمهم: «يا لضياع العِلم والشهادات». إذ ذاك نهضت الوالدة، ودخلت المطبخ تُعدّ القهوة.
- ما برجك؟ سألتني هدى وهي تتناول عن المنضدة كتابًا في الأبراج.
- يا لضخامته!! أتعرفين؟ أنا معجَب حقًّا بذكاء مؤلِّفي مثل هذه الكتب.
- أتمزح؟
- لا والله. أتشكّين في ذكاء مَن يستطيع أن يملأ كلّ هذه الصفحات بثرثرات تُقنع الناس وترضيهم!
- لم تقُل لي ما برجك.
- برج إيفل.
- دعكَ من المزاح الآن.
- الحوت.

عندئذٍ فتحت الكتاب، وقرأت لي: عزيزي الحوت. اليوم يوم سعدك. ثمّة بعض المال يأتيك من حيث لا تعلم... وتوقّفت صديقتي عن القراءة حين ضحكتُ عاليًا.
- أضحكاني معكما، قالت أمّ هدى وهي تدخل حاملةً صينيّة القهوة.
- بربّكِ تعالي اسمعي ما يقول برجي، تعالي. سأجني اليوم مالًا لم أكن أحسب له حسابًا. لكني، قبل أن أجيء إليكم، أتاني جابي الكهرباء بفاتورة كبيرة، وابنتي طلبت مني قسط الجامعة، واليوم استحقّ عليّ قسط السيّارة. وفي طريقي عليكم عرّجتُ على السنترال، ودفعتُ فاتورة الهاتف.
لم تستطع الوالدة أن تملك نفسها؛ فضحكتْ عاليًا. وإذ تذكّرتْ أمرًا، قطعتْ ضحكها، وقالت لابنتها: ألم تتأخّري عن الذهاب إلى الدائرة العقارية يا بنت؟
- لن أذهب اليوم. قد أذهب غدًا.
- لكنكِ وعدتِ أباك أمس بأنك ستذهبين اليوم.
- سمعتُ عند الصباح برجي، ورأيت أن هذا اليوم غير ملائم لإنجاز أيّ عمل إداري. قد يخطئ البرج، ولكن أيخطئ الورق أيضًا!؟
- أنت مجنونة. أتعرفين؟
- وهل يعرف المجنون أنه مجنون!؟ قالت وضحكت، فيما دخلت أمّها المطبخ مجدّدًا.

وبينما نحن نحتسي القهوة، قُرع الباب؛ فقامت هدى وفتحت لتبصر غجريّة نسمّيها في ضيعتنا «نوريّة»؛ فقالت هدى: «اذهبي. ليُعطِك الله». وهمّت بردّ الباب قبل أن تسارع المرأة إلى القول: أستطيع قراءة الكفّ والفنجان، وكشف الغيب، أيتها الصبيّة الجميلة.
- وكيف أعرف أنك لا تكذبين عليّ!
- جرّبيني.
-... تعالي، ادخلي.

دخلت المرأة وجلست، ونظرت إلى فنجان هدى المقلوب، وقالت: ناوليني فنجانك؛ فناولتها إيّاه، ولبثت تحدّق في وجهها حابسةً أنفاسها، مصغية.
راحت الغجرية تقلّب الفنجان بين أصابع يدها الموشومة، وتعقد حاجبيها حينًا وتفكّ عقدتهما أحيانًا، وهدى تتقلّب بين قلق وارتياح إلى أن قالت المرأة: اسمعي يا آنسة هدى.
- ماذا!! أقلتِ آنسة هدى! تعالي اسمعي يا أمّي، تعالي.
- ماذا تريدينني أن أسمع؟ قالت وهي آتية من المطبخ تمسح يديها بمئزرها.
- لقد حزرت اسمي، وعرفت أنني آنسة. ثم سألت الغجرية: كيف عرفتِ هذا!!
- ألم أقُل لك جرّبيني! لتعلمي أنْ لا أحد يكشف الغيب مثلي... اقتربي وانظري. ها هو حرف الهاء مرسوم هنا. وحرف الدال ههنا. وهذه هي الألِف. أرأيتِ؟
- لكنها أحرف منفصلة. ما أوحى لكِ بجمعها إلى بعضها!
- عندئذٍ مدّت سبّابتها نحو العلاء، وقالت: نجمكِ.
- وكيف تعرفين ما يقوله نجمي!؟
- الاتّصال بالنجوم غير مُتاح لكلّ الناس أيتها الجميلة. لا يكذبَنّ عليكِ أحد بقوله إن معرفة الغيب عِلم نتعلّمه. لا. هذه موهبة تُعطى للإنسان أو لا تُعطى.
- أكملي أرجوكِ.
- طريقكِ مفتوح. لكنه طويل. عليكِ أن تصبري.
- أكثر ممّا صبرت!
- أمنياتك ستتحقّق يا حلوتي. وفتى أحلامكِ لا بُدّ آتٍ. قولي إن شاء الله.
- إن شاء الله. ولكن من أين سيأتي؟ ومتى؟ سألتْ متنهّدة.
- من حيث لا تدرين سيأتي. كلّ هذا مكتوب هنا.
- برجي يقول قولكِ أيتها العرّافة. فيا ليت برجي يصدق، ونبوءتكِ تتحقّق.
إذ ذاك قامت هدى وعادت بعشرة آلاف ليرة دسّتها في جيب المرأة؛ فشكرتها الأخيرة وهمّت بالانصراف؛ فقلت لها: أريدكِ أن تقرأي طالعي في كفّي أو فنجاني.
- هاتِ كفّك، قالت وجلست، وأخذت كفّي، ونظرت فيها.
- أريدكِ أن تحزري اسمي مثلما حزرتِ اسم هدى.
- أُنظرْ. لو أن هذين الخطين متّصلان، لحزرت. لكن، كما ترى، هما منفصلان. غير أني أستطيع أن أقرأ طالعك وحظّك.
- حظّي في حياتي أعرفه، ودربي لا مفرّ لي من سلوكه، قلت ضاحكًا وسحبتُ كفّي، وأضفت: رحمَ الله مَن قال:
حظّـــــي حظٌّ ناقصٌ   من أصدقائي والعِدا
لو كان حظّي بشرًا     لكانَ عبـدًا أسودا
_ أتريدين أن تأكلي شيئًا؟ سألتْ هدى.
- لا؛ فقد وعدتُ جارتَك بأن أعرّج عليها بعد مغادرتي من عندك. يا ألله!... كيف نسيتُ اسمها.
- أيّهما؟ ذات الشعر الأشقر القصير أم الأسود الطويل؟
- بل الأشقر القصير.
- ألين.
- أجل، أجل. قالت وضحكت. ذاكرتي لا تحفظ الأسماء الأجنبية.
- مسكينة. ابنها نادر مسافر إلى البرازيل، وهي هنا تذوب شوقًا إليه وهمًّا عليه.
- تركتكم في عافية، قالت ونهضت وخرجت؛ فلحقت هدى بها: «مهلًا، مهلًا. أتصنعين التمائم؟».
- بالتأكيد. تميمة لفتح رحم العاقر، وواحدة لردّ المطلّقة، وأخرى لاستدعاء الحبيب... لا بُدّ أنك تريدين مثل الأخيرة.
- أجل، قالت وابتسمت، وأناخت رأسها خجلًا.
- عمّا قريب سأمرّ من هنا، وأعرّج عليكِ، وتكون التميمة معي.
- خذي هذه أيضًا حتى لا تنسي، قالت، وأعطت العرّافة بضع أوراق نقدية زهيدة.
- لن أنسى. وحياة عينيكِ الجميلتين لن أنسى.

وفيما مضت المرأة تقول في سرّها: واللهِ لأصنعَنّ مئة تميمة ما دامت اليد كريمة، دخلت هدى؛ فقلت لها على الفور: أعرفتِ كيف حزرت المرأة اسمك؟ جارتك أخبرتْها به مثلما أخبرتِها أنتِ للتوّ أن اسم جارتك ألين، ولها ابن يُدعى نادر في البرازيل... ثوبي إلى رشدك يا هدى. أيكشف الله أسراره للنَوَر والغجر، ويحجبها عن الأتقياء والقدّيسين!! قال أبو العلاء:
يحدّثُنا عمّا يكونُ منجِّمٌ     ولم يدرِ إلا اللهُ ما هوَ كائنُ.
واللهِ لو كان ثمّة دولة، لوضعتْ هؤلاء المشعوذين والمتنبّئين كلّهم في السجون. ثم ودّعت، وانصرفت لا ألوي على شيء.

* * *

صبيحة اليوم الثاني نهضت هدى من سريرها، واستمعت إلى برجها، وارتدت ملابسها؛ فسألتها أمّها: أذاهبة إلى الدائرة العقارية أنتِ؟ أجابت: أجل. اليوم مناسب لإنجاز الأعمال الإدارية.
استقلّت سيّارتها ومضت؛ فبلغت مقصدها حوالى الساعة العاشرة لأن المطر كان يتساقط رذاذًا، ما تسبّب بزحمة سير. ولما وصلت وسألت عن الموظّف المسؤول، قيل لها إن أمّه مريضة، وقد منحه المدير يوم إجازة يهتمّ فيه بها.

- أما من أحد يحلّ مكانه!؟
- لكلًّ عملُه، قالوا لها.

عندئذٍ قفلت راجعة تجرّ أذيال الخيبة. وفي الطريق انزلقت سيّارتها بفعل المطر، واصطدمت بالفاصل الإسمنتيّ بين الخطّين؛ فأُصيبت هدى بكسر في ذراعها استدعى نقلها إلى المستشفى بسيّارة للصليب الأحمر؛ فندبت يومها ولعنت حظّها.
علمتُ بهذه الحادثة بعد أيّام ثلاثة؛ فجئت أعود هدى في بيتها وأطمئنّ عليها. وكان ذلك يوم الأحد 15 تشرين الأوّل عام 2017.
 هذه المرّة كان على الطاولة كتاب جديد في الأبراج، لأن هدى، على ما يبدو، لم تعُد تثق بالكتاب الذي كان عندها؛ فاستبدلته بغيره، علّ مؤلّفه يكون أطول باعًا في قراءة الغيب وكشف المستور.
قالت هدى: أتعرف؟ أشعر بأن برجي يكذب عليّ: يُنبئني بأمر؛ فيحصل عكسه. قال: هذه السنة سنة برج العذراء. لكن يبدو أنها سنة نحس لا خير، وشؤم لا فأل.

- كلّ هذه خرافات وتُرَّهات.
- لا أستطيع إلا أن أستمع إلى برجي صباح كلّ يوم، قالت وأدارت الراديو على إذاعة مونتي كارلو، وكانت الساعة السابعة والخمسين دقيقة. قال المذيع: عزيزي من برج العذراء. في الساعة الواحدة والدقيقة التاسعة عشرة بعد الظهر، يترك القمر برج الأسد، وينتقل إلى برج العذراء. لكن هناك ما يُسمّى «خُلُوّ مسار» يبدأ في الساعة 7:28 ويستمرّ حتى الساعة 01:19 كما قلت. وهذا يعني أن هناك حوالى ستّ ساعات لا ينجح فيها أيّ عمل يُقام به.

- آه!! قالت هدى. كان عليّ اليوم أن أذهب لإجراء مقابلة في إحدى الشركات بهدف الحصول على وظيفة فيها. سأتّصل بهم، وأطلب تأجيل الموعد حتى يوم غد بحجّة أني مريضة. هكذا قالت، واتّصلت، وأجّلت الموعد.
- ما تاريخ ميلادك؟ سألتُ وأنا أتصفّح كتاب الأبراج الجديد فضولًا.
- ليلة 22- 23 آب بعد منتصف الليل بدقائق.
- لا يا هدى، قالت الأمّ. أذكرُ أنني، لحظة وُلدتِ، نظرتُ إلى الساعة المعلّقة في الحائط؛ فكانت عقاربها تشير إلى الحادية عشرة والدقيقة الثامنة والخمسين.
- هذا يعني أنكِ من برج الأسد، لا العذراء، قلت.
- ماذا!!! أأنا من برج الأسد وكنت كلّ هذه السنوات متوهّمة أنني من مواليد العذراء!! قالت ودمعت عيناها؛ فكفكفت دموعها، وطلبت مني قراءة برج الأسد، لأنها لم تنتبه إلى ما قاله المذيع في هذا البرج. فقلبتُ الصفحات، وقرأت: عزيزي الأسد. عليك بالصبر في شأن العثور على حبيب ترتبط به، لأن بيت الشراكة موجود في العذراء. وهذا من شأنه أن يؤخّر الزواج أو يجعله مع شريك كبير في السنّ. أقرب فرصة ستكون في النصف الثاني من العام 2018، وهي ليست أكيدة. الفرصة الأكيدة هي في خلال العام 2019.
- ماذا!!! قالت هدى بصوت منخفض كأنها تكلّم نفسها. كنتُ أنتظر سَعْدي في برج العذراء وأنا من مواليد الأسد. ولما عرفتُ أنني من برج الأسد، رأيتُ الحظّ قابعًا في برج العذراء. يا لتعسي!! قالت، وبكت.

قامت الأمّ وجاءت بالقهوة، ونادت زوجها لاحتسائها معنا؛ فجاء. وإذ حانت من هدى التفاتة إلى ساعة يدها، قالت: لقد حان موعد برنامج «أنتم والنجوم» مع ليلى. ثم أدارت التلفاز. ولما أطلّت ليلى، استقامت هدى في جلوسها، وفتحت عينيها جيّدًا، وأصغت، وناولتني الفنجان وعيناها على الشاشة؛ فسارعتُ إلى أخذه من يدها كيلا ينسكب بعض القهوة على ثيابي.

قالت ليلى: سيشهد لبنان، في مطلع العام 2018، صعوبات اقتصادية بسبب النازحين السوريين، وضغوطًا دولية عليه للقيام بإصلاحات إدارية ومالية.
- لقد اكتشفت البارود حقًّا، قال الوالد.
- أوضحي يا سيّدة ليلى، قال المُحاور. أعطنا بعض التفاصيل لو سمحتِ.
- لا تطلبْ مني أكثر. هذا ما أراه، وهذا ما أُوحيَ به إليّ.

في هذه الأثناء رنّ جرس الهاتف؛ فقالت هدى وهي ترفع صوت التلفاز قليلًا بواسطة جهاز التحكُّم عن بُعد: هلاّ أجبتَ من غرفة الاستقبال يا أبي، أرجوك.
- لعن الله المنجّمين، والمتنبّئين، والذين يؤمنون بهم ويصدّقونهم، قال الوالد بصوت عالٍ، ووقف وأضاف: أستطيع أن أتنبّأ، بدوري، بأن آخرتكِ ستكون في «العصفوريّة» يا بنت... انظري. أنا وعمّك، الذي هاجر إلى الأرجنتين منذ خمسة عشر عامًا، توأمان. يعني أننا من برج واحد. أتعتقدين حقًّا أن ما يصيبني هنا يصيبه هناك، والمكتوب له هناك مكتوب لي هنا!! اعقلي يا بنت، اعقلي. إنكِ تُفقدينني صوابي.

وتوقّف جرس الهاتف عن الرنين؛ فجلس الوالد. لكنّ ليلى لم تتوقّف، ولا المحاور أوقف مضايقاته بأسئلته. قال لها: الناس يتّهمونكِ بأنّ بعض نبوءاتك لم تصدُق.
- أيّ منها لم يصدق!؟ قالت. قلت لهم إننا سنشهد في شهري تمّوز وآب من هذا الصيف موجات حرّ شديدة. أصدقتُ أم لا؟
- صدقتِ.
- وقلت إن الجيش سيقوم بعملية أمنية ناجحة ضدّ المسلّحين الإرهابيين. أصدقتُ أم لا؟
- صدقتِ، ولكن...
- وقلت إن المجلس النيابي سيكثّف من اجتماعاته في محاولة للخروج من الأزمات التي يعانيها الوطن. أصدقتُ أم لا؟
- لكنكِ قلتِ إن اسم رئيس الجمهورية العتيد يبدأ بحرف «الجيم»، ولم تصدُقي. وقلتِ إنّ عيدَي الميلاد ورأس السنة سيمرّان بسلام، ولم تصْدُقي لأنّ انفجارًا ضخمًا حدث بينهما. وقلتِ...
- مهلًا، مهلًا. أنا قصدتُ يوم 25 كانون الأوّل، والأوّل من شهر كانون الثاني. أمسؤولة أنا عن كلّ أيّام السنة!؟
- يا سلام!!! قال والد هدى، ونهض ليردّ على الاتّصال، إذ عاد جرس الهاتف إلى الرنين؛ فأخذ السمّاعة، وذهب إلى غرفة الاستقبال. وبعد بضع دقائق عاد والبسمة ملء شفتيه: «هل انتهت الستّ ليلى؟».
- مَن كان المتّصل؟ سألت الزوجة.
- إنه أخي الذي في الأرجنتين.
- عساه وعائلته بخير، قالت هدى.
- سيأتون كلّهم لزيارتنا الأسبوع القادم، ويمضون شهرًا في لبنان قبل أن يعودوا أدراجهم.

مضى أسبوع، ووفى عمّ هدى بوعده؛ فجاء وأفراد عائلته حاملين إلى وطنهم كبير أشواقهم، وإلى الأقارب ثمين هداياهم. وكان خوسيه ابن عمّ هدى، والذي كان اسمه في لبنان يوسف، شابًّا وسيمًا، وثريًّا، ومثقّفًا، وفي أواخر العقد الرابع من العمر.
منذ اللقاء الأوّل، أُعجب يوسف بهدى كما أُعجبت هي به. لقد كانت تنتظر رجُلًا له صفات يوسف. والأخير كان يرغب في أن تكون شريكة حياته من بنات وطنه. فكيف إذا كانت، أيضًا، ابنة عمّه!!
حُدّد يوم الزفاف بعد ثلاثة أسابيع. وفي الليلة المنتظرة كانت سهرة عامرة نُفخ فيها بالمزمار وضُرب بالطبل، واجتمع الأهل والأقارب والأصدقاء. وكنت أنا من بينهم. وكم فوجئتْ هدى حين رأت الغجرية، التي قرأت فنجانها قبل شهر، تقترب منها شاقّةً طريقها بين الجمع إليها.
- ظننتُ أنكِ لن تعودي. قالت هدى.
- لقد وعدتُكِ بأنني سأعود من أجلك. وها إني قد وفيتُ بوعدي. وهاكِ غرضك.
- ما هذا؟
- التميمة جالبة الحبيب.
ضحكت هدى، وقالت: لم يعُد لي حاجة بها. احتفظي بها لغيري. هكذا قالت، وأعطت الغجرية من النقود ما لم تكن تنتظر؛ فأخذتها سعيدة، ودعت للعروسين بالسعادة، ومضت. فشيّعتها هدى بنظرات ملؤها الفرح، وهزّت رأسها، وقالت: لقد صدق، واللهِ، مَن قال: كذب المنجّمون ولو صدقوا.