- En
- Fr
- عربي
الأبعاد الجيوسياسية والجيوستراتيجية لمضيقَي هرمز وباب المندب
المقدمة
تُعدّ صناعة النفط والغاز وأساليب إنتاجها ونقلها، في الوقت الراهن، ركيزة أساسية لموارد الاقتصاد العالمي، إذ تُحفّز إنتاج الطاقة، والتنمية الصناعية والتجارة الدولية، والصناعات البتروكيميائية، والاستقرار الاقتصادي، وتُلبّي أكثر من 50% من احتياجات العالم من الطاقة. ويتمتع النفط بتأثير كبير على العلاقات الدولية والسياسات الاستراتيجية. فالدول التي تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة تمارس تأثيرًا ونفوذًا قويَّين على الساحة الدولية، بينما تسعى الدول المستوردة إلى تنويع مصادرها. ومن المسلّم به أن التنافس على موارد هذه الصناعة يشكل إحدى الغايات الرئيسة للدول الكبرى التي تسعى إلى تأكيد نفوذها، وتأمين احتياجاتها من هذه الموارد الأساسية، في ظل تسارع وتيرة الإنتاج وفي ظل اضطرابات مالية تصيب الاقتصادات العالمية باهتزازات متتالية، وفي ظل السباق على حجز مواقع متقدمة في سوق الطاقة الدولية. ومن هنا تكمن أهمية منطقة الشرق الأوسط في حسابات الدول، خاصة بعد نهاية مرحلة الحرب الباردة وبروز أقطاب جدد على الساحة الدولية.1
خلال القرن العشرين، تم التعامل مع الصراعات الإقليمية في المنطقة بشكل أساسي من منظور عسكري. وتم التعبير عن التنافس الاستراتيجي من خلال الحروب التقليدية والنزاعات الإقليمية والتحالفات العسكرية. لكن اليوم، تطورت لغة الضغط الاستراتيجي. ففي ظل اقتصاد عالمي مترابط، يمكن أن يؤدي تعطيل طرق التجارة وتدفقات الطاقة إلى إحداث صدمات اقتصادية تتجاوز نطاق الصراع المباشر بكثير، حيث غالبًا ما تمتد تداعياتها الاقتصادية عبر القارات وترتفع أقساط التأمين، وتتغير مسارات الشحن، وتزداد تكاليف النقل، وتتفاعل أسواق الطاقة فورًا مع مؤشرات عدم الاستقرار. ولهذه الأسباب، تزايدت القيمة الاستراتيجية للجغرافيا البحرية بشكل كبير. ووفقًا لتحليل أجرته بلومبرغ إيكونوميكس، فإن المخاطر الاقتصادية لا تقتصر على النفط والغاز، إذ إن نحو 7% من صادرات الأسمدة العالمية، ونحو 6% من المعادن الثمينة، و5.3% من الألومنيوم ومنتجاته، إضافة إلى 4.4% من الإسمنت والمعادن غير المعدنية الأخرى التي تُشحن عبر موانئ الخليج، أصبحت معرّضة لخطر التعطّل.2

القسم الأول
دور الغاز والنفط وأهميتهما في الاقتصاد العالمي
تعتمد الدول الصناعية الكبرى بشكل بنيوي وعميق على الوقود الأحفوري (الذهب الأسود) والمواد الخام التي تُنتج في الخليج وتمر عبر مضيق هرمز؛ وفي الأوقات الطبيعية يَعبر من هذا المضيق خُمس الصادرات العالمية للغاز الطبيعي المسال، وثلث النفط الخام، وثلث الأسمدة، وخُمسا الهيليوم، وما يقرب من نصف الكبريت. وهذه المواد ليست مجرد وقود لتدفئة المنازل أو تسيير السيارات، بل هي عصب الاقتصاد الحديث بأكمله؛ وأهميتها تتجاوز الطاقة لتؤثر على الأمن الغذائي والأسمدة وتكاليف الشحن وسلاسل التوريد التصنيعية العالمية. فالأسمدة أساسية لبقاء إنتاج الغذاء العالمي، بينما يُعتبر الهيليوم والكبريت من المكونات الحيوية لصناعة الرقائق الدقيقة التي تشغّل كل شيء، من الأجهزة المنزلية إلى مراكز البيانات الضخمة التي تغذي طفرة الذكاء الاصطناعي. وتبعات التعليق الفعلي للمرور عبر مضيق هرمز، بسبب الحرب ضد إيران، أُجبرت العديد من مواقع الإنتاج على التوقف التام أو الإغلاق. ولم يقتصر الأمر على إعاقة سلاسل الإمداد، بل امتدت الآثار لتشمل تدميرًا مباشرًا للبنية التحتية للطاقة. فاستهدفت الهجمات الأميركية حقل «فارس الجنوبي» للغاز في إيران (الأكبر في العالم)، لتردّ إيران بضرب منشأة الغاز الطبيعي المسال القطرية في «رأس لفان»، مما أدى إلى محو 3.5% من الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي المسال للسنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة3.

1 – دور الممرات المائية في سوق الطاقة
من الجدير بالذكر أن المضائق المائية تؤدي دورًا محوريًا على صعيد الأحداث في المنطقة، ولا سيما مضيقَي هرمز وباب المندب، اللذين يُستخدمان كأداة جيوسياسية وجيواقتصادية تؤثر في استقرار أو اضطراب منطقة الشرق الأوسط والأمن الاقتصادي العالمي بشكل عام. وفي هذا السياق تبرز أفكار ومفاهيم نظرية القوة البحرية للمفكّر الاستراتيجي الأميركي ألفريد ماهان4 التي تؤكد أن السيطرة على الممرات البحرية تعني السيطرة على الاقتصاد والتجارة العالميين. وكان من أبرز العوامل في فكر ماهان حول السياسة والاستراتيجية العالميتين، هو تبنّي الدول المتنافسة لعقائد استراتيجية وهياكل عسكرية متشابهة. وفي أوائل القرن العشرين، تجلّى هذا المبدأ بوضوح في التنافس العام بين القوى العظمى في بناء السفن الحربية وتبنيها لعقيدة التركيز على الأسطول الحربي البحري. وقد أَولى ماهان أهمية بالغة للعلاقة بين السياسة الخارجية للدولة وقوتها البحرية. فالقوة الطامحة للهيمنة، والراغبة في انتهاج سياسة خارجية توسعية، أو الدولة التي تسعى لاحتواء توسع منافسيها، بحاجةٍ إلى قوة بحرية متفوقة. ولذلك، أولى ماهان اهتمامًا خاصًا لتنافس القوى العظمى في بناء السفن الحربية والعقائد الاستراتيجية التي تتبنى نشر الأساطيل البحرية، في تحليلاته لتطورات السياسة العالمية.5
2 – عناصر نظرية ماهان
ترتكز هذه النظرية على العناصر الأساسية الآتية:
أ- الموقع الجغرافي للدولة: فيما إذا كانت تطل على أكثر من بحر وفيما إذا كانت تلك البحار متصلة مع بعضها ومع سيطرة الدولة على الطرق التجارية المائية الرئيسة.
ب- التضاريس الأرضية: بمعنى طول السواحل وتعاريجها، كما أنه وجد طول السواحل أقل أهمية من التعاريج لأنها تساعد الدولة في بناء الموانئ الضرورية.
ج- مساحة الدولة: لاسيما إذا كانت الدولة ذات طابع بحري، وإذا كانت مساحتها واسعة وتشرف على عدة بحار، مع أهمية طول سواحلها وتنوع مواردها الطبيعية والبشرية.
د- عدد السكان: هذا العنصر مهم من وجهة نظر ماهان لأنه يعكس قدرة الدولة على بناء الأساطيل البحرية وإمكانية استعمالها وصيانتها.
هـ- خاصية السكان: أي مدى ميلهم للمغامرة وارتياد البحر، وشغفهم بالتجارة لأن القوة البحرية تعتمد على الاستقرار الداخلي والتجارة الواسعة الضرورية لتجميع الثروة.
و- وجهة نظر السلطة الحاكمة: يعتقد ماهان أن قدرة السيطرة على البحار تعتمد على شعب يمتلك أرضًا منتجة مأهولة بالسكان يسهل الدفاع عنها ولها قواعد استراتيجية وأن أهم المواقع الأرضية هي المواقع التي تقترب من طريقٍ بحري ضيق يُستعمل للمرور بدرجة عالية كالقناة الإنكليزية أو مضيق جبل طارق أو مضيق هرمز.6
3 – خصوصية الولايات المتحدة
لقد طبّق ماهان المقاييس والاعتبارات آنفة الذكر على الولايات المتحدة، فوجد أنها الدولة الوحيدة التي يمكنها أن ترث بريطانيا في السيطرة على البحار، إذ إنها تتصف بجميع الإمكانيات المطلوبة لاسيما في ما يتعلق بموقعها الجغرافي البحري وامتداد سواحلها الطولية المتعرجة على المحيطين الأطلسي والهادئ، فضلًا عن امتلاكها موارد طبيعية هائلة. كما اعتبرها جزيرة قارية، واستنتج أن الولايات المتحدة الأميركية، إذا امتلكت أسطولًا بحريًا عظيمًا فإنها ستصبح قوة بحرية عالمية، يمكّنها الدفاع القومي ضد أي حصار بحري يُوجَّه ضدها ويخوّلها بالتالي التوسع إلى ما وراء البحار.
كان ماهان من أبرز دعاة «السياسة الخارجية القوية» واعتقد أن الاقتصاد الأميركي سيعجز قريبًا عن استيعاب الكميات الهائلة من السلع الصناعية والتجارية المنتجة محليًا، وجادل بضرورة سعي الولايات المتحدة إلى أسواق دولية جديدة في الخارج. وكان أكثر ما يشغل باله هو ضمان قدرة الحكومة الأميركية على تأمين الوصول إلى هذه الأسواق. الأمر الذي يتطلب ثلاثة أمور: أسطول بحري تجاري قادر على نقل المنتجات الأميركية إلى الأسواق الجديدة؛ أسطول بحري حربي قادر على ردع أو تدمير الأساطيل المنافسة؛ وشبكة من القواعد البحرية قادرة على توفير الوقود والإمدادات اللوجستية للأسطول المنتشر7.
4 - محاولات سابقة
لم يكن تركيز ماهان على الاستحواذ على قواعد بحرية أمرًا جديدًا تمامًا. فبعد الحرب الأهلية الأميركية، سعى وزير الخارجية ويليام سيوارد إلى توسيع الوجود التجاري الأميركي في آسيا بشراء ألاسكا في العام 1867، وزيادة النفوذ الأميركي على هاواي عبر إبرام معاهدة تبادل تجاري تربط اقتصاد الجزر باقتصاد الولايات المتحدة. كما حاول سيوارد شراء قواعد بحرية مناسبة في منطقة الكاريبي. وأخيرًا، سعى إلى التصديق على معاهدة مع الحكومة الكولومبية تسمح للولايات المتحدة ببناء قناة بنما. لكن في أعقاب الحرب الأهلية، انشغل الكونغرس بإعادة الإعمار في الجنوب، ورفض مجلس الشيوخ جميع جهود سيوارد لإنشاء شبكة من القواعد البحرية الأميركية8.

القسم الثاني
جيوستراتيجية المضائق المائية
1– دورها وأهميتها
يتم التعبير بشكلٍ عام عن المضائق المائية بأنها ممرات ضيقة تربط بين بحرَين أو محيطَين، وتسهّل حركة السفن التجارية بين البحار والمحيطات، مما يقلّل من مسافة الرحلات البحرية ويوفر الوقت والوقود والمخاطر. وتكتسب هذه المضائق أهمية كبيرة في العالم بسبب موقعها الجيواستراتيجي الخاص، وما تتيحه من قدرة على السيطرة الكاملة على حركة الملاحة البحرية العالمية، كما هي الحال مثلًا في مضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب، ولها أيضًا أهمية جغرافية وسياحية وسياسية وعسكرية، كما هي الحال في باب المندب، الذي يؤثر بشكل كبير على حركة السفن التجارية والعسكرية، لا سيما في ظل الصراعات والتوترات في منطقة الشرق الأوسط. ويُعدّ باب المندب نقطة جغرافية حيوية تقع في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر، ولها تأثير كبير في الشؤون العالمية؛ من حيث أنها مفتاح السيطرة على جميع عمليات الشحن تقريبًا بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس. وفي السياق، يُعدّ مضيقا «هرمز» و«باب المندب» من أهمّ نقاط الاختناق البحرية (CHOKEPOINTS) في النظام العالمي، لما لهما من تأثير مباشر على أسواق الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد والتوريد، والتوازنات العسكرية. كما تُعد الممرات البحرية الضيقة عمومًا عنصرًا حاسمًا في العلاقات الدولية، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة قوة ونفوذ سياسيَّين. ويشكل المضيقان في معادلة الحرب وأمن الطاقة العالميَّين، ركيزتَين حاكمتَين، إذ يتجاوز دورهما كونهما ممرَّين بحريَّين إلى كونهما أداتَي ردع وضغط جيوستراتيجيتين. فتهديد الملاحة فيهما يدخل مباشرة في حسابات الكلفة وإدارة التصعيد وحدود التوسع، كما يحصل في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، نظرًا لما يحمله هذا التهديد من تداعيات فورية ومباشرة على أسواق النفط والتجارة العالمية.9
2 – دور الجغرافيا والطوبوغرافيا في رسم السياسات
يشكل مضيقا هرمز وباب المندب شريانَين حيويَّين للطاقة والتجارة العالميتَين ويؤثران في التوازنات والتحالفات السياسية الدولية. ومن إجمالي تدفقات الطاقة العابرة عبر مضيق هرمز، يتجه نحو 83% إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. وهذا الاعتماد الكثيف يمنح المضيق بُعدًا يتصل مباشرة بأمن الطاقة في آسيا الصناعية، ويحوِّله إلى نقطة توازن حساسة في موازين القوى بين الخليج والاقتصادات الكبرى في الشرق والغرب. وتعزّز البنية الجغرافية لمضيق هرمز ثقله الاستراتيجي السياسي والعسكري؛ إذ تنتشر فيه عدة جزر تمثل نقاط تحكم عملانية، من أبرزها: قشم وهرمز ولارك وهنجام، إضافة إلى جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى والفارور عند المدخل الشمالي. وتوفر هذه الجزر مواقع رصد وسيطرة على الممر الملاحي، وتمنح قدرة عملية على التأثير في حركة السفن، سواء عبر أدوات الردع أو عبر وسائل عسكرية مباشرة. وقد شهد المضيق سابقة عملية تؤكد قابليته للتحول إلى أداة ضغط اقتصادية مباشرة، وذلك خلال ما عُرف بـ «حرب الناقلات» في النصف الثاني من الحرب العراقية - الإيرانية (1984–1988). فقد جرى استهداف متبادل لناقلات النفط وزرع ألغام بحرية في مسارات الملاحة؛ ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واستدعى تدخلًا عسكريًّا دوليًّا واسعًا لحماية السفن وضمان استمرار تدفق النفط10. وفي السياق، وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مضيق هرمز بأنه «قنبلة نووية اقتصادية».
على صعيد الأبعاد الجيوسياسية والنفوذ والسيطرة، يبرز وجود الأسطول الخامس الأميركي في البحرين لتأمين المضيق يقابله تمركز إيراني مكثف، مما يجعله ساحة صراع مستمرة. والحديث عن الأسطول الأميركي الخامس ليس حديثًا عن بوارج ومدمرات فحسب، بل عن قاعدة بيانات قتالية متكاملة، وحرب معلومات، وقرصنة إلكترونية، ومراقبة فضائية، وهندسة سياسية، وتنسيق لوجستي عابر للحدود. من هنا يتضح لماذا يعتبره المخطّط الإيراني مركز الثقل الذي يختزل ما يقارب 75% من القدرة العملانية الأميركية في الشرق الأوسط11. وفي السياق يؤكد المحلّل العسكري الاستراتيجي في الجيش العراقي اللواء ماجد القيسي، أن الجغرافيا تشكل دائمًا العامل الأقوى والأكثر حسمًا في المعادلة العسكرية، وهي متفوقة في كثير من الأحيان على التفوق التكنولوجي، لا سيما في الحيثيات الإقليمية المعقدة12. ومن هذا المنطلق ذهب المحلّلون إلى أن السيطرة الكاملة على المضيق تعني أن المناطق الساحلية الإيرانية المشاطئة للمضيق يجب أن تكون تحت السيطرة الأميركية، وهو ما يتطلب وجودًا عسكريًا مباشرًا في هذه المناطق أو على شواطئها، لكن الولايات المتحدة لن تستطيع تحقيق هذا بمفردها في ظل التصعيد الحالي. وتتحول جبال زاغروس التي تطل مباشرة على الممر المائي بارتفاعات تصل إلى 1500 و2000 مترٍ قرب الشاطئ إلى حصن طبيعي يصعب اختراقه أو السيطرة عليه بشكل مستدام13.
3 – خصوصيات مضيق هرمز
في عالم يعتمد بدرجة غير مسبوقة على تدفقات مستقرة للطاقة والتجارة البحرية، أصبحت الممرات البحرية الاستراتيجية جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الاقتصادي العالمي. ويُمثِّل مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي ببحر عُمان والمحيط الهندي، شريانًا رئيسًا لتدفق الطاقة من الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية، إذ يمر عبره ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية يوميًا، أي نحو 20 إلى 21 مليون برميل، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج. وفي ضوء الحرب الدائرة في منطقة الخليج حاليًا، وقيام إيران بإغلاق المضيق وتعطيل الملاحة فيه، لم يعد الحديث يدور حول سيناريوهات افتراضية، بل حول تداعيات فعلية تمسّ استقرار الاقتصاد العالمي وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول أمن الطاقة والنظام الدولي. وفي خلال السنوات الماضية، لوّحت إيران مرارًا بإمكانية إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه في حال تعرَّضت لهجوم عسكري أو لمحاولات خنق اقتصادي عبر العقوبات الدولية، كأداة ردع سياسية في مواجهة خصومها14.
4 – خصوصيات مضيق باب المندب (بوابة البحر الأحمر)
هو أقصر طريق بحري بين البحر المتوسط (أوروبا) والمحيط الهندي (آسيا). ويمر عبره جزء معتبر من التدفقات النفطية (نحو 6.2 مليون برميل يوميًا) والتجارة الدولية، مما يجعله حيويًا للأمن القومي العربي والعالمي. ومن ناحية الأبعاد الجيوسياسية (التنافس والقواعد العسكرية) تستضيف جيبوتي قواعد عسكرية لدول عظمى (الولايات المتحدة، الصين، وغيرهما)، مما يعكس أهميته الاستراتيجية. وقد استخدمه الحوثيون في اليمن لتهديد الملاحة، مما يحوّله إلى نقطة ساخنة قادرة على تحويل الصراع الإقليمي إلى أزمة دولية شاملة.
يقع هذا المضيق بين اليمن شرقًا والقرن الأفريقي (جيبوتي وإريتريا) غربًا، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي من ناحية، كما يربطه بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس شمالًا. ويمر عبره نحو 9% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًّا، إضافة إلى حصة معتبرة من الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، ويعبره أكثر من 21 ألف سفينة سنويًّا في الظروف العادية. ويمثل المضيق حلقة أساسية في الربط بين صادرات الخليج والأسواق الأوروبية، وفي سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر. وتتجلى حساسية باب المندب في بنيته الجغرافية العملانية؛ إذ تقسمه جزيرة «بريم» اليمنية إلى قناتين: قناة إسكندر شرقًا بعرض يقارب 3 كيلومترات وعمق محدود، وقناة «دقة المايون» غربًا بعمق يصل إلى نحو 310 أمتار. وهذا التكوين يمنح من يسيطر على الجزيرة أو السواحل المرتفعة المحيطة، قدرة مباشرة على الرصد والتأثير في الملاحة. وتعكس كثافة الوجود العسكري الدولي في محيط باب المندب إدراك القوى الكبرى لحساسيته الاستراتيجية والاقتصادية. فالمنطقة تستضيف تمركزات عسكرية لقوى دولية كبرى، إلى جانب حضور إقليمي متزايد في سواحل القرن الأفريقي واليمن، ما يجعل المضيق محاطًا ببيئة أمنية عالية التركيز العسكري. كما أظهرت السنوات الأخيرة قدرة فاعلين من غير الدول على استخدام صواريخ ومسيّرات وألغام بحرية لتهديد السفن، ما أضفى على أمن المضيق بُعدًا غير تقليدي يتجاوز منطق الدولة لوحدها15.
باب المندب يعني «باب الدموع» أو «بوابة الأحزان»، والمندَب من الندب بمعنى «الرثاء». وقد حصل على اسمه العربي في الأيام التي حاول فيها البحارة والتجار العبور باستخدام النجوم والبواصل والخرائط البسيطة، حيث تمّ تحطم العديد من السفن في القرون والسنين الماضية، وزُهقت الأرواح بسبب الصخور في أثناء محاولاتها الإبحار عبر الفجوة الغادرة والممر المائي الضيق، المليء بالتيارات القوية والرياح غير المتوقعة والشعاب المرجانية والمياه الضحلة، بالإضافة إلى مواجهة السفن الحديثة لمخاطر الألغام البحرية الناجمة عن الصراعات الماضية16.
تنبع أهمية باب المندب الجيوستراتيجية والاقتصادية من كونه ممرًا تجاريًا عالميًا: إذ يعتبر البوابة الجنوبية لقناة السويس، ويمر عبره ما بين 8-12% من حجم التجارة العالمية سنويًا. كما تمر عبره ناقلات الطاقة من نفط وغاز بمتوسط 8 إلى 9 ملايين برميل يوميًا (نحو 10% من تجارة النفط البحرية). ويمثل أهمية بالغة لمصر، حيث تمر عبره حوالى 98% من السفن والبضائع المتّجهة إلى قناة السويس. كما أثبتت الوقائع القريبة، ولاسيما خلال فترة الحرب الإسرائيلية على غزة، قابليته للتحول إلى أداة ضغط فعَّالة عندما انخرط فاعلون مسلحون من أنصار الله الحوثيين في تهديد الملاحة. وفي هذا السياق، جاء تصريح عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله حسين العزي حول مضيق باب المندب حاسمًا وواضحًا حول القدرة على إغلاق باب المندب إذا تقرّر ذلك17. وفي إطار الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، شهد البحر الأحمر استهداف السفن الموضوعة في خدمة الولايات المتحدة و«إسرائيل»، ما أثّر على حركة الملاحة البحرية والتجارة العالمية عبر المضيق، الأمر الذي أدى إلى تشكيل تحالف رسمي بـاسم «حارس الازدهار» بقيادة أميركية - بريطانية18.
القسم الثالث
الانفجار الجيوستراتيجي
1 – تعطيل الملاحة
أدت التهديدات الإيرانية وزرع الألغام في مضيق هرمز، في سياق الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى تراجع حركة ناقلات النفط بنحو 70%، وهو ما تسبب في ارتفاع الأسعار وخلق ضغوطًا اقتصادية وسياسية عالمية واسعة. وبالتالي كشفت الأزمة الراهنة عن هشاشة النظام الدولي واعتماد أوروبا والعالم على ممرات بحرية ضيقة ومعرّضة للتهديد. كما اتضح أن البدائل المتاحة، سواء عبر خطوط الأنابيب أو المسارات البديلة، محدودة القدرة وسهلة الاستهداف ما يجعل تجاوز هذه العقدة مكلفًا وغير مضمون. وفي السياق، رأت الباحثتان تامي كينر وبنينا شرفيت باروخ من «معهد دراسات الأمن القومي» بجامعة تل أبيب: أن ما يجري في مضيق هرمز يعكس تحول تعطيل حرية الملاحة إلى أداة ضغط جيوستراتيجية فعالة. وأوضحتا أن إيران نجحت في التأثير على أحد أهم مسارات التجارة العالمية من دون إعلان إغلاق كامل. وفرضت بذلك مستوى مرتفعًا من الضغط على النظام الدولي، مما يفتح المجال أمام توسيع الانخراط الدولي في الأزمة من خلال إشراك دول إضافية في ضمان حرية الملاحة سواء خلال الحرب أو بعدها. كذلك، رأى ميخائيل آيزنشتات وأساف أوريون من «معهد دراسات الأمن القومي» أيضًا، أن فتح مضيق هرمز وكسر السيطرة الإيرانية عليه يتطلب مقاربة مركبة تجمع بين العمل العسكري والضغط الاقتصادي، إذ فشلت حتى الآن التهديدات والضربات المحدودة في تغيير سلوك طهران التي طوّرت نظام عبور انتقائي يربط المرور بدفع رسوم ويستخدم المضيق كورقة ضغط استراتيجية على الاقتصاد العالمي. ويوضح الباحثان أن خيارات مثل حماية القوافل أو استنزاف القدرات الإيرانية قد تخفف التهديد مؤقتًا، لكنها مكلفة ولا تضمن أمن الملاحة بسبب تعدّد أدوات إيران من الألغام إلى الصواريخ والمسيّرات.19 وبالتالي يقترح الباحثان نقل المعركة إلى المجال الاقتصادي عبر استهداف صادرات النفط الإيرانية أو فرض قيود على وارداتها، إلى جانب خيارات تصعيدية مثل تعطيل جزيرة خرج مع الإقرار بأن كل هذه الأدوات تحمل مخاطر ردود انتقامية قد تشمل ضرب منشآت الطاقة في الخليج20.
من ناحية أخرى، عرضت جريدة غلوبس الاقتصادية الإسرائيلية بتاريخ 22 آذار 2026 ثلاثة سيناريوهات رئيسة للتعامل مع إغلاق مضيق هرمز، تتدرج من أدوات اقتصادية إلى خيارات عسكرية مباشرة. يتمثل السيناريو الأول في استخدام آلية السوق عبر السماح المؤقت بتدفق النفط الإيراني لاحتواء ارتفاع الأسعار ضمن محاولة إدارة الأزمة من دون مواجهة مفتوحة. ويقوم السيناريو الثاني على تصعيد الضغط من خلال التهديد باستهداف البنية التحتية للطاقة في إيران؛ بهدف دفعها إلى إعادة فتح المضيق تحت وطأة الكلفة الداخلية. والسيناريو الثالث يتجه نحو خيار عسكري مباشر يستهدف مفاصل التصدير وعلى رأسها جزيرة خرج بما يؤدي إلى خنق القدرة النفطية الإيرانية مع ما يحمله ذلك من مخاطر توسّع المواجهة. ومن منطلق انتهازي، رأت «إسرائيل» أن إغلاق مضيق هرمز قد يشكّل فرصة سانحة لها، فعرض وزير الطاقة والبنية التحتية إيلي كوهين، تصورًا يقوم على إمكانية تحوّل «إسرائيل» إلى محور مركزي في منظومة نقل الطاقة الإقليمية، كبديل للمسارات البحرية المهددة. وأوضح أن هذا الدور يمكن تحقيقه عبر نقل الطاقة من الجهة الغربية للسعودية عبر خطوط أنابيب توفّر مسارًا بديلًا لتدفقها21.
2 – عملية الغضب الملحمي
في الثامن والعشرين من شباط 2026، أطلقت الولايات المتحدة و«إسرائيل» ما عُرف بـ «عملية الغضب الملحمي» (Operation Epic Fury) ضدّ إيران، محوِّلةً سنواتٍ من الاحتقان والتصعيد المتراكم إلى مواجهةٍ عسكريةٍ مفتوحة. ولم يمثّل هذا الصراع مجرد حدث إقليمي دراماتيكي، بل أعاد تشكيل معادلات أمن الطاقة العالمي وتعطُّش الاقتصادات الكبرى للمحروقات. فمنطقة الخليج العربي، المَعبر الأكثر تمثيلًا لاقتصاد النفط والغاز، تتحمل وحدها ما يزيد على خُمس احتياجات الطاقة العالمية. ومن هذه الزاوية، يصبح فهمُ أبعاد هذا الصراع على منظومة نقل الطاقة ضرورةً استراتيجيةً ملحّـة لا تَرَفًا فكريًا. ويرتكز الصراع القائم حاليًا بين أميركا و«إسرائيل» وحلفائهما ضد إيران على ثلاثة محاور تاريخية متشابكة: البرنامج النووي الإيراني، التنافس الإقليمي بين طهران وتل أبيب، والمصالح الاستراتيجية الأميركية22.
في الوقت ذاته، كشفت تقارير إعلامية لصحيفة «وول ستريت جورنال»، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتبنّى استراتيجية تقوم على فرض حصار بحري طويل الأمد على مضيق هرمز، بدلًا من خيار الحسم العسكري أو الانسحاب من الصراع مع إيران. في حين تقتنع «إسرائيل» بأن المعركة المقبلة مع إيران، إذا اندلعت، لن تكون فقط عسكرية أو نووية، بل حربًا مباشرة على الاقتصاد وشرايين الطاقة الإيرانية نفسها. وبحسب التقارير، يفضّل ترامب الإبقاء على حالة «الجمود المضبوط» باعتبارها الخيار الأقل خطورة مقارنة باستئناف العمليات العسكرية أو الانسحاب الكامل من دون اتفاق، حيث يرى أن الخيارين الأخيرين يحملان تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة. وتشير التقارير إلى أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تقيّم في الوقت نفسه تداعيات إعلان نصر أحادي والانسحاب، في ظل توجّه لتجنب المواجهة المباشرة والاكتفاء بإدارة الأزمة عبر الضغط الاقتصادي. كما يرى محلّلون أن استمرار الحصار قد يؤدي إلى استنزاف اقتصادي عالمي وارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد، مقابل استمرار الضغط على إيران، ما قد يطيل أمد المواجهة من دون تسوية واضحة في الأفق23. وفي السياق، نشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» مقال رأي للصحفي إدوارد لوس يسلط الضوء فيه على أزمة النهج الأميركي في التعامل مع الخصوم باستخدام القوة لتحقيق أهدافها. وقال الكاتب إن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لفرض الإرادة السياسية الأميركية، وأن تكرار التهديدات من دون نتائج ملموسة يعكس مأزقًا استراتيجيًا عميقًا يشير إلى ضرورة أن تكون الدبلوماسية هي الخيار الأول. واعتبر الكاتب أن الولايات المتحدة اعتادت خلال العقود التي سبقت عملية «الغضب الملحمي» على الخلط بين تفوقها العسكري وقدرتها على فرض إرادتها في أراضٍ بعيدة، لكن الجديد في الحرب ضد إيران هو فشلها الواضح منذ البداية. وأضاف الكاتب أن هذه العملية لم تكن خروجًا عن التقاليد الأميركية، فقد كان البنتاغون خلال حرب فيتنام يقارن بانتظام بين عدد قتلى العدو والقتلى الأميركيين. لكن ذلك كان في الواقع هزيمة سياسية ساحقة للولايات المتحدة، حسب الكاتب، لأنه أظهر صلابة الطرف المقابل. والتشابه بين عملية «هزيم الرعد» التي أطلقها الرئيس ليندون جونسون، و«الغضب الملحمي» التي أطلقها ترامب، يكاد يكون تامًا، وفقًا للكاتب، حيث استخدم جونسون القصف المكثف على فيتنام الشمالية لدفعها إلى تقديم تنازلات من دون جدوى، مثلما يعجز ترامب الآن عن تغيير الموقف الإيراني رغم كل التهديدات بشنّ حملة قصف غير مسبوقة. وكما كانت تقول حركة طالبان خلال الحرب الأميركية في أفغانستان: «أميركا لديها الساعات، ونحن لدينا كل الوقت»، وقد استعادت طالبان السلطة في نهاية المطاف. وتابع الكاتب أن ترامب بدا في فترة سابقة أنه يدرك محدودية القوة الأميركية أكثر من معظم رؤساء الولايات المتحدة، فقد كان رفضه للحرب التي شنها بوش الابن على العراق عاملًا أساسيًا في صعوده داخل الحزب الجمهوري في العام 2016، لكن المفارقة أنه يوجّه السياسة الأميركية حاليًا نحو المستنقع ذاته. ويخلص الكاتب إلى أن الدرس المستفاد من عملية «الغضب الملحمي» هو نفسه الذي استخلصه أوباما من العراق، وهو أن الدبلوماسية يجب أن تكون الخيار الأول دائمًا، لكن ذلك يتطلب تفكيرًا عميقًا24.
3 - تداعيات الدومينو
الباحث في شؤون الشرق الأوسط لدى مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ستيفن أيه كوك، نشر مقالًا في مجلة «فورين بوليسي» بعنوان «أثر الدومينو لعملية الغضب الملحمي»، ذكر فيه أن الحملة التي تشنها الولايات المتحدة و«إسرائيل» على إيران تبدو «مفتوحة النهاية». فعلى الرغم من أنها تستهدف إيران في المقام الأول، إلا أن تداعياتها تمتد إلى أنحاء واسعة من الشرق الأوسط. ويضيف أن واشنطن لا يمكن أن تخوض عملية عسكرية بهذا الحجم من دون أن تسعى إلى إحداث تحول كبير في الديناميكيات السياسية في المنطقة، مرجحًا أن ينعكس ذلك على عدة ملفات.
القسم الرابع
البحث عن بدائل غير تقليدية
1 - استقرار تدفق صادرات النفط
لا تختزل الأزمة الحالية في اضطراب مؤقت في الإمدادات، بل تكشف عن خلل بنيوي في توزيع مسارات تدفق الطاقة على المستوى العالمي. وبالتالي قد تدفع الأزمة الممتدة الدول المستهلكة للطاقة إلى تفعيل احتياطياتها الاستراتيجية أو البحث عن مصادر بديلة للإمدادات، وهو ما يؤدي إلى إعادة توجيه تدفقات الطاقة العالمية بشكل مؤقت، وربما دائم. كما قد يعزز من توجه بعض الدول نحو تسريع استثماراتها في الطاقة البديلة أو في مسارات نقل أقل عرضة للمخاطر. ومع تزايد التحديات البيئية والاقتصادية الناتجة عن الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيس للطاقة، بدأ العديد من الدول والشركات في البحث عن بدائل مستدامة وصديقة للبيئة. ومن أبرزها: الطاقة الشمسية، طاقة الرياح، الطاقة المائية، الطاقة النووية، الوقود الحيوي عبر اعتماد تكنولوجيا تدوير المواد النباتية أو المخلفات العضوية25. وفي الوقت ذاته، من المحتمل أن تُفضي الأزمة الراهنة إلى إعادة رسم مسارات التجارة العالمية للطاقة. فتعطيل أحد أهم الممرات البحرية قد يدفع إلى تعزيز أهمية البدائل البرية، مثل خطوط الأنابيب العابرة للقارات، أو الممرات التي تتجاوز نقاط الاختناق البحرية. وفي هذا الإطار، من المرجح أن تزداد أهمية مشاريع البنية التحتية التي تربط آسيا بأوروبا عبر مسارات برية، أو تلك التي تنقل النفط والغاز إلى موانئ خارج نطاق المضائق الحساسة. كما أن هذه التحولات قد تعيد ترتيب أولويات الدول المنتجة للطاقة، خاصة في الخليج، حيث ستتجه إلى تسريع تطوير منافذ تصدير بديلة تقلّل من الاعتماد على مضيق هرمز، وهو ما قد يعزز من دور بعض الموانئ خارج الخليج العربي، ويعيد توزيع مراكز الثقل في تجارة الطاقة الإقليمية، بحيث لا تعود السيطرة على الموارد وحدها كافية، بل تصبح القدرة على تأمين مسارات توصيلها هي العامل الحاسم في معادلة القوة الاقتصادية للمستقبل26.
من خلال ما تقدم، يمكن القول إن معظم اقتصادات الدول المنتجة للنفط والتي يمر إنتاجها عبر مضيق هرمز، مثل قطر والعراق والكويت والسعودية والإمارات، يقوم على عائدات النفط كمصدر رئيس للميزانية العامة، بمعنى أن أي تغير في أسعار النفط سينعكس على توازن ميزانياتها ومؤشرات العجز أو الفائض عندها. وبالتالي، فإن استقرار تدفق صادرات النفط عبر مضيق هرمز يمثل شريانًا رئيسًا لاستقرارها المالي والاقتصادي. وفي الوقت نفسه، إذا ترافقت أزمة هرمز مع تعطيل باب المندب، وهو السيناريو الأسوأ في حال توسعت رقعة التوترات لتشمل اليمن، فإن حركة صادرات النفط بشكل عام ستُجبر ناقلات النفط على تغيير مساراتها من البحر الأحمر إلى المسار الأطول حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف 15 يومًا على الأقل من الإبحار، فضلًا عن توابعها من تكاليف ضخمة على الشحن. وهذه ليست مجرد مضاعفات لوجستية، بل هي تكاليف ستُترجم فورًا إلى أسعار أعلى للطاقة وتكاليف تشغيل أكبر للشركات الصناعية والنقل27.
إنّ القانون الدولي، رغم كل عيوبه، يبقى أحد أهم الحواجز التي تمنع انزلاق النظام الدولي إلى صراعات هوجاء وكارثية مفتوحة. كما أن الدول المتوسطة والصغيرة تعتمد عليه لحماية نفسها من منطق الهيمنة الصرفة للقوى الكبرى. فالحروب الأيديولوجية بطبيعتها حروب استنزاف طويلة الأمد يخسر فيها الجميع بدرجات متفاوتة28.
2 - الإغلاق المزدوج ومخاطره
أ - بنية تكاملية:
لا يمكن، من منظور استراتيجي واسع، فصل مضيق هرمز عن باب المندب. فهما يشكلان معًا سلسلة حرجة من الممرات المائية التي تقوم عليها منظومة أمن الطاقة العالمية. وهذه السلسلة ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل أدوات نفوذ جيوسياسي هائل، حيث تصبح القدرة على تأمينها أو التأثير فيها معيارًا حاسمًا لمكانة الدول في الإقليم والعالم. ولذلك، فإن أي دولة تطمح إلى دور مؤثر في الشرق الأوسط لا تستطيع التعامل مع هذه الممرات بوصفها تفاصيل ثانوية أو ملفات لوجستية تقنية فقط. وعند النظر إلى مضيقَي هرمز وباب المندب في إطار واحد، تتضح بنيتهما التكاملية. إذ يتحكم مضيق هرمز في خروج النفط والغاز الطبيعي المسال من الخليج، بينما يتحكم مضيق باب المندب في انتقال جزء معتبر من هذه التدفقات إلى البحر المتوسط وأوروبا عبر قناة السويس. وأي اضطراب ممتد زمنيًا في إحدى الحلقتين يضغط على منظومة الطاقة والتجارة العالمية، وأي توتر متزامن يعيد تشكيل كلفة الصراع وحدوده وسقفه العملياتي على نطاق أوسع29. وقد كشفت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران منذ يومها الأول أن أمن المضائق البحرية، لا سيما مضيق هرمز، يمثل أحد المرتكزات الهيكلية للأمن الاقتصادي العالمي في القرن الحادي والعشرين. فاستقرار الاقتصاد العالمي يرتبط بضمان انسياب الملاحة عبر هذه الممرات الضيّقة جغرافيًّا، واسعة الأثر استراتيجيًّا، وتتقاطع فيها الجغرافيا مع القانون الدولي، وتتداخل فيها حسابات الردع العسكري البحري مع معادلات النمو الاقتصادي العالمي.30
ب - الأثر الاقتصادي للإغلاق المزدوج:
يُعرّض تعطيل مضيقي هرمز وباب المندب معًا ما يُقدّر بنحو 10 مليارات دولار أميركي يوميًا من التجارة العالمية للخطر، ويُعيق حوالى 30% من حركة شحن الحاويات العالمية عن مسارها الطبيعي، ويُهدد نحو 22% من إمدادات النفط العالمية. فعند إغلاق مضيق هرمز، فعّلت الرياض خط أنابيب النفط بين الشرق والغرب بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يوميًا. وكان هذا المسار البديل سببًا رئيسًا في عدم تجاوز أسعار النفط حاجز الـ 200 دولار أميركي الذي هددت به إيران. إلا أن خط الأنابيب لا يحل مشكلة الاختناق، بل ينقلها من مكان إلى آخر فقط. فكل ناقلة نفط تغادر ميناء ينبع غرب السعودية متجهةً إلى آسيا مُضطرةٌ للمرور عبر باب المندب، مما يجعل ما يُقدّر بنحو 70-75% من صادرات «ينبع» عُرضةً مباشرةً لتدخلات الحوثيين. ويقع هذا الخط الآن داخل منطقة التهديد، ما يُؤثر بشكلٍ واضح على أسعار النفط. فلو أُغلق باب المندب ومضيق هرمز في آنٍ واحد، لانقطع نحو 25% من إمدادات النفط والغاز العالمية31. والتهديد بإغلاق المضيقين أمر وارد تمامًا وليس مجرد تكهنات. وفي السياق، أكد نائب وزير الإعلام الحوثي أن باب المندب «سيكون من بين الخيارات» المتاحة للضغط في الحرب الدائرة. وقد دخل الحوثيون الصراع بالفعل في 28 آذار الماضي، عندما أطلقوا صواريخ باليستية على «إسرائيل». ومنذ حرب غزة العام 2023، هاجمت قوات الحوثيين أكثر من 130 سفينة تجارية، مُظهرةً بذلك النية والقدرة على فرض الحصار. وبالتالي، فإن البنية التحتية اللازمة للحصار موجودة بالفعل. ويمتلك الحوثيون القدرة على التحرك، لكنهم يمارسون ضبط النفس الاستراتيجي، إذ يحتفظون بالبحر الأحمر كرادع أو كوديعة أخيرة للتدخل.32
إنّ تصوير الإغلاق المزدوج على أنه أزمة طاقة في المقام الأول يُقلّل بشكلٍ كبير من حجمها. فباب المندب ليس مجرد ممر نفطي، بل هو منطقة انتشار للقواعد العسكرية الدولية وهو البوابة الجنوبية لقناة السويس رابطًا بين آسيا وأوروبا وشرق أفريقيا. في حين يعتمد مضيق هرمز بشكل خاص على استراتيجية «المنع البحري». بمعنى أنه قابل للإغلاق عبر وسائل غير تقليدية (ألغام، صواريخ، زوارق سريعة). ويشهد صراعات غير تقليدية (حروب بالوكالة، هجمات بحرية). ويخضع المضيقان لتنافس عسكري وأمني واقتصادي، ويشكلان نقاط اشتباك وارتكاز للقوى الدولية والإقليمية خاصة (إيران، الولايات المتحدة، «إسرائيل»).33 وفي تطور لاحق، أظهرت بيانات تتبع ملاحية توقف مئات السفن قرب مضيق هرمز وتراجع حركة ناقلات النفط عبره، في سلوك احترازي عَكَسَ تصاعد تقدير المخاطر. وهذا النمط من التوقّف الوقائي يوضح أن تأثير المضيق في الاقتصاد العالمي لا يتطلب إعلان إغلاق رسمي؛ إذ يكفي ارتفاع مستوى التهديد والخطر فيه لدفع الشركات إلى تعليق العبور أو تأجيله، بما ينعكس فورًا على تكاليف الشحن والتأمين ويغذي التقلبات في أسواق الطاقة. ووفق تقديرات بنك SEB، فإن تعطيل تدفقات الإمدادات العالمية عبر المضيق قد يرفع الأسعار بسرعة إلى 150-200 دولار للبرميل، في حال طال الإغلاق أو اتّسع التصعيد العسكري، ما يجعل هذه الصدمة أخطر من صدمة 1973، ليس فقط بحجم الانقطاع ومدّته، بل أيضًا بمؤشرات هشاشة النظام المالي العالمي اليوم: تضخم مرتفع أصلًا، مستويات مديونية قياسية، واعتماد واسع على الطاقة الأحفورية. ولا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على الدول المنتجة فقط، بل هو في الواقع أداة تضخمية قوية. فعندما ترتفع أسعار الوقود والطاقة ترتفع معها تكاليف النقل والوقود للمصانع والمؤسسات التجارية، وتزداد تكلفة السلع الأساسية والنقل إلى المستهلك النهائي، ما يُثقل كاهل العائلات غير الميسورة ويضغط على السياسات النقدية للبنوك المركزية.34 وتعمل الدول المنتجة نفسها على استعمال الأنابيب البديلة والخطوط اللوجستية التي تُحيط بمضيق هرمز لتخفيف أثر أي تعطيل، لكن هذه البدائل تبقى محدودة في القدرة على التعامل مع حجم صادرات يتجاوز 20 مليون برميل يوميًا. وبالتالي، فإن إغلاق مضيقَي هرمز وباب المندب، جزئيًا أو كليًا، حتى لو كان مؤقتًا، يضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة مضاعفة تتمثل بارتفاع حاد في أسعار النفط، وضغوط تضخمية تتسرب إلى أسعار السلع الأساسية، وعجز محتمل في ميزانيات الدول المعتمدة على النفط35.

الخلاصة
تكشف أزمة مضيق هرمز عن حقيقة بنيوية في النظام العالمي المعاصر وهي أن استقرار الاقتصاد العالمي لا يُدار فقط عبر السياسات والمصالح، بل عبر الجغرافيا التي تتحكم في تدفق الطاقة والتجارة. فالممرات البحرية الاستراتيجية ما عادت مجرد مسارات للنقل، بل تحولت إلى مفاتيح قوة قادرة على إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية والسياسية على حد سواء. وبالتالي، فإن إغلاق مضيق هرمز لا يمثل مجرد تصعيد عسكري في سياق صراع إقليمي، بل يعكس تحوُّل الجغرافيا إلى أداة تأثير مباشر في معادلة القوة الدولية. وفي عالم يعتمد على عدد محدود من نقاط الاختناق البحرية، فإن أي اضطراب في هذه النقاط يكشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية. وبهذا المعنى، لا تكمن أهمية مضيق هرمز في موقعه فحسب، بل في ما يمثله من نموذج لعصر جديد تتداخل فيه اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة ضمن معادلة واحدة؛ فالأزمة الحالية لا تختبر فقط قدرة الدول على إدارة التصعيد، وإنما تختبر أيضًا قدرة النظام الدولي على حماية شرايينه الحيوية في مواجهة تحولات جيوسياسية وأمنية متسارعة. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو متى يُعاد فتح المضيق، بل كيف ستُعاد صياغة معادلة أمن الطاقة العالمي بعد هذه اللحظة، في عالم باتت فيه الجغرافيا مرة أخرى في قلب السياسة الدولية.36
إن العالم، في القرن الواحد والعشرين، لا يُحكم فقط عبر الجيوش والتحالفات، بل عبر شبكات رأس المال، والمؤسسات المالية الكبرى، والشركات العابرة للقوميات والقارات. وهذا التوسع لا يتم دائمًا بوسائل سلمية، بل غالبًا ما يتخذ شكل السيطرة العسكرية. ومن هنا، يمكن فهم التصعيد تجاه إيران. فالنظام الإقتصادي العالمي يعيش منذ سنوات حالة من التباطؤ والمديونية والتوترات البنيوية، تتجلى في أزمات مالية متكررة، وتزايد التفاوت الطبقي، واشتداد المنافسة بين القوى الكبرى. وفي مثل هذه الظروف تميل الدول الكبرى للجوء إلى القوة لإعادة ترتيب موازين القوى لصالحها، وضمان سيطرتها على مصادر الطاقة، وخطوط الإمداد، والأسواق الحيوية37.
1. سالوموفا ساليموفنا - المجلة الاميركية للاقتصاد وإدارة الأعمال – كانون الثاني/ديسمبر 2024
2. الجزيرة عن بلومبرغ – 7/3/2026.
3. جلال قناص – الجزيرة – آخر تحديث 25/3/2026
4. ألفريد ماهان (1840-1914)، هو من أبرز المفكرين الأميركيين في مجال الحرب البحرية والاستراتيجية والسياسة الدولية. وتستند شهرته كمفكر استراتيجي في المقام الأول إلى كتبه الشهيرة التي تناولت تأثير القوة البحرية على العالم وشؤونه. وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر، نشر ماهان مفهومه عن القوة البحرية، أو القدرة على السيطرة على المحيط لتحقيق مكاسب اقتصادية وعسكرية. واقترح إعادة تنشيط البحرية الأمريكية في أطروحته المهمة التي صدرت عام 1890 بعنوان «تأثير القوة البحرية على التاريخ».
5. ألفريد ثاير ماهان، الجغرافيا السياسية والاستراتيجية الكبرى في «عودة الجغرافيا السياسية»، دار نشر BOKFÖRLAGET STOLPE، بالتعاون مع مؤسسة أكسل ومارجريت أكس: سون جونسون، 2019. ثم نشرت في موقع ANGELSBERG IDEAS 21/3/2023.
6. د. عدنان عبد الله حمادي الجميلي - المرجع الإلكتروني للمعلوماتية تاريخ 13/10/2025 - من كتاب الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك مع بعض التطبيقات - ص 210 وما بعدها.
7. المصدر السابق.
8. OFFICE OF THE HISTORIAN من كتاب ماهان: تأثير القوة البحرية على التاريخ: تأمين الأسواق الدولية في تسعينيات القرن التاسع عشر – آخر تحديث 18/4/2018.
9. العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين – مجلة الدفاع الوطني – العدد 130 – تموز 2025
10. الجزيرة - آخر تحديث: 14/4/2026
11. توفيق سلام – مجلة عرب جورنال – 5/3/2026.
12. أحمد حافظ – الجزيرة - آخر تحديث: 2/4/2026
13. المصدر نفسه
14. د. ابتسام الكتبي - مركز الامارات للسياسات – 17/3/2026
15. – COFAS FOR TRAD مضيق باب المندب – 14/5/2025
16. د . شذى زكي حسن - مجلة اتجاهات سياسية – المجلد الثامن - العدد الواحد والثلاثون - حزيران – يونيو 2025
17. خير الدين الجابري - عربي بوست - تم التحديث: 2024/01/22
18. الجزيرة – وكالات - 30/12/2023
19. مدار – المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية 30/3/2026
20. المصدر نفسه
21. جريدة النهار – عن تقارير أميركية – 24/3/2026
22. روسيا اليوم – 5/3/2026
23. مدحت الشيخ - صوت الإمارات – 16/5/2026
24. مقال رأي للصحفي إدوار لوس - عربي 21 – 20/5/2026
25. فراس حناوي – الميادين – 28/2/2026
26. مجلة أثير الألكترونية – 20/5/2026
27. حمد رستم – جريدة البناء – 24/3/2026
28. لقمان عبد الله – جريدة الأخبار – 2/4/2026
29. محمد راجح – العربي الجديد – 30/3/2026
30. مجموعة الأزمات الدولية – 30/3/2026
31. غالب درويش – اندبنديت عربية – 9/4/2026
32. فراس حناوي – الميادين 11/4/2026
33. اليس غاور – مجلة المجلة 19/4/2026
34. حسين درغام – النهار – 7/4/2026
35. عوض عبد الفتاح – عرب 48 – 6/4/2026
36. يوهانس سباث - المعهد النمساوي للشؤون الدولية – 10/1/2025
37. monthly review المجلد 78، العدد 03 (يوليو-أغسطس 2026)
قائمة المراجع:
مواقع إلكترونية:
1 - الجزيرة – 7/3/2026.
2 - الجزيرة – 24/3/2026.
3 - ألفريد ماهان (1840-1914): هو من أبرز المفكرين الأميركيين في مجال الحرب البحرية والاستراتيجية والسياسة الدولية. وتستند شهرته كمفكر استراتيجي في المقام الأول إلى كتبه الشهيرة التي تناولت تأثير القوة البحرية على العالم وشؤونه. وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر، نشر ماهان مفهومه عن القوة البحرية، أو القدرة على السيطرة على المحيط لتحقيق مكاسب اقتصادية وعسكرية. واقترح إعادة تنشيط البحرية الأمريكية في أطروحته المهمة التي صدرت عام 1890 بعنوان «تأثير القوة البحرية على التاريخ».
4 - الفريد ثاير ماهان، الجغرافيا السياسية والاستراتيجية الكبرى في «عودة الجغرافيا السياسية»، دار نشر BOKFÖRLAGET STOLPE، بالتعاون مع مؤسسة أكسل ومارجريت أكس: سون جونسون، 2019. ثم نشرت في موقع ANGELSBERG IDEAS 21/3/2023.
5 - المرجع الإلكتروني للمعلوماتية – 13/10/2025.
6 - OFFICE OF THE HISTORIAN من كتاب ماهان: تأثير القوة البحرية على التاريخ: تأمين الأسواق الدولية في تسعينيات القرن التاسع عشر – آخر تحديث 18/4/2018.
7 - عرب 48 – 6/4/2026
8 - أحمد حافظ – الجزيرة نت للدراسات - 2/4/2026
9 - توفيق سلام – عرب جورنال – 5/3/2026
10 - أحمد حافظ – الجزيرة 31/3/2026
11 - موقع روسيا اليوم – 5/3/2026
12 - مدحت الشيخ - صوت الإمارات – 16/5/2026
13 - عربي 21 – 20/5/2026
14 - فراس حناوي – الميادين – 28/2/2026
15 - عوض عبد الفتاح – عرب 48 – 6/4/2026
مراكز دراسات:
1 - علي الذهب – مركز الجزيرة للدراسات – 28/12/2023
2 - مدار – المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية 30/3/2026
3 - د. ابتسام الكتبي - مركز الإمارات للسياسات – 17/3/2026
4 - مرام اكرم – مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية – 10/9/2025
5 - المركز الديمقراطي العربي – 18/7/ 2018
6 - مجموعة الأزمات الدولية – 30/3/2026
7 - يوهانس سباث - المعهد النمساوي للشؤون الدولية – 10/1/2025
مجلات:
1 - مجلة الدفاع الوطني - العدد ١٣٠ – تموز 2025
٢ - مجلة اتجاهات سياسية – المجلد الثامن - العدد الواحد والثلاثون - حزيران – يونيو 2025
٣ - مجلة عين ليبيا – 19/4/2026
٤ - مجلة فورين بوليسي – 6/3/2026
٥ - مجلة المجلة – 19/2/2024
٦ - مجلة أثير الالكترونية – 20/5/2026
صحف:
1 - حمد رستم – جريدة البناء – 24/3/2026
2 - لقمان عبد الله – جريدة الأخبار – 2/4/2026
3 - محمد راجح – العربي الجديد – 30/3/2026
4 - غالب درويش – اندبنديت عربية – 9/4/2026
5 - حسين درغام – النهار – 7/4/2026
Geopolitical and Geostrategic Dimensions of the Strait of Hormuz and the Bab el-Mandeb Strait
Ihsan Mortada
This article examines the geopolitical and geostrategic significance of the Strait of Hormuz and the Bab el-Mandeb Strait, two of the world’s most critical maritime chokepoints, owing to their indispensable role in global energy transportation and international trade. The study argues that the changing nature of contemporary conflicts has transformed control over strategic maritime passages into a powerful instrument of geopolitical leverage that extends well beyond the realm of conventional military power.
The analysis demonstrates that the global economy remains heavily dependent on uninterrupted energy flows through the Strait of Hormuz, which accommodates approximately one-fifth of global oil trade and a substantial share of liquefied natural gas (LNG) exports. In parallel, the Bab el-Mandeb Strait serves as the southern gateway to the Suez Canal, connecting Asian and European markets and constituting a vital corridor for global maritime commerce.
Drawing upon Alfred Thayer Mahan’s theory of sea power, the study emphasizes that command of the seas and strategic maritime routes constitutes a fundamental pillar of international influence. It further illustrates how maritime chokepoints have evolved into instruments of political, economic, and military power capable of shaping regional and global strategic balances.
The study also examines the geographical and military characteristics of both straits, arguing that their unique physical geography, combined with the concentration of regional and international military forces, has transformed them into enduring arenas of strategic competition. Consequently, any disruption to maritime navigation through these waterways has immediate repercussions for global energy markets, supply chains, and international economic stability.
Furthermore, the article analyzes possible escalation scenarios arising from a potential U.S.–Israeli confrontation with Iran, particularly the risks associated with the disruption of maritime traffic through the Strait of Hormuz. Such developments could trigger significant increases in oil prices, intensify market volatility, and create profound challenges for the global economy. It also reviews assessments advanced by several Western and Israeli strategic research institutions regarding the military and economic options available for managing such crises.
The analysis further explores the possibility of the simultaneous closure of both the Strait of Hormuz and the Bab el-Mandeb Strait, considering this scenario one of the gravest threats to global energy security. Such an event would likely disrupt a substantial share of global oil and gas exports, increase transportation and insurance costs, reshape international trade routes, and generate widespread inflationary pressures and economic instability.
The study argues that the persistence of these strategic vulnerabilities is likely to accelerate international efforts to diversify energy export routes, expand transnational pipeline infrastructure, and increase investment in alternative energy sources to reduce dependence on vulnerable maritime chokepoints.
Les dimensions géopolitiques et géostratégiques des détroits d’Ormuz et de Bab el-Mandeb
Ihsan Mortada
Cet article analyse les dimensions géopolitiques et géostratégiques des détroits d’Ormuz et de Bab el-Mandeb, considérés comme deux des principaux points d’étranglement maritimes (maritime chokepoints) du système international. Leur importance découle de leur rôle déterminant dans le transit des hydrocarbures, des marchandises et des flux commerciaux mondiaux, ce qui leur confère une place centrale dans les équilibres de la sécurité énergétique mondiale et de l’économie internationale.
L’étude soutient que les mutations des conflits contemporains ont profondément transformé la fonction stratégique des voies maritimes. Le contrôle de ces détroits ne relève plus exclusivement de la supériorité militaire conventionnelle, mais constitue désormais un levier de puissance géopolitique, économique et stratégique capable d’influencer directement les rapports de force régionaux et internationaux.
L’analyse montre que l’économie mondiale demeure largement tributaire de la libre circulation des ressources énergétiques à travers le détroit d’Ormuz, par lequel transite près d’un cinquième du commerce mondial du pétrole ainsi qu’une part considérable des exportations de gaz naturel liquéfié (GNL). De son côté, le détroit de Bab el-Mandeb représente la porte méridionale du canal de Suez et l’un des principaux corridors reliant les marchés asiatiques et européens, ce qui en fait un maillon essentiel des chaînes logistiques et commerciales mondiales.
En s’appuyant sur la théorie de la puissance maritime développée par Alfred Thayer Mahan, l’étude met en évidence que la maîtrise des mers et des passages maritimes stratégiques constitue l’un des fondements de la puissance internationale. Dans cette perspective, les détroits maritimes apparaissent comme des instruments majeurs de projection de puissance, de dissuasion et d’influence politique, économique et militaire.
L’étude examine également les caractéristiques géographiques et militaires propres aux détroits d’Ormuz et de Bab el-Mandeb. Elle montre que leur configuration géographique, conjuguée à la concentration des forces militaires régionales et internationales, en fait des espaces de compétition stratégique permanente. Dès lors, toute perturbation de la liberté de navigation dans ces passages produit des répercussions immédiates sur les marchés mondiaux de l’énergie, les chaînes d’approvisionnement internationales et la stabilité économique mondiale.
Par ailleurs, l’étude analyse les scénarios d’escalade susceptibles de résulter d’une confrontation militaire entre les États-Unis, Israël et l’Iran, notamment les risques liés à une interruption du trafic maritime dans le détroit d’Ormuz. Une telle évolution entraînerait vraisemblablement une forte hausse des prix des hydrocarbures, une volatilité accrue des marchés internationaux et une aggravation des vulnérabilités économiques mondiales. L’étude présente également les analyses de plusieurs centres de recherche stratégiques occidentaux et israéliens relatives aux options militaires et économiques envisageables pour gérer une telle crise.
L’étude examine en outre l’hypothèse d’une fermeture simultanée des détroits d’Ormuz et de Bab el-Mandeb, considérée comme l’un des scénarios les plus critiques pour la sécurité énergétique mondiale. Une telle situation pourrait provoquer une interruption significative des exportations mondiales de pétrole et de gaz, une augmentation substantielle des coûts du transport maritime et des assurances, une reconfiguration des itinéraires commerciaux internationaux ainsi qu’une intensification des pressions inflationnistes à l’échelle mondiale.
L’analyse souligne également que la persistance de ces vulnérabilités stratégiques devrait inciter les États à accélérer la diversification des itinéraires d’exportation des ressources énergétiques, à renforcer les infrastructures de transport terrestre, notamment les réseaux d’oléoducs et de gazoducs, et à intensifier les investissements dans les énergies alternatives afin de réduire leur dépendance à l’égard des détroits stratégiques.












