- En
- Fr
- عربي
الأخبار المفبركة ودورها في تشكيل الرأي العام
المقدمة
تجتاح العالم اليوم ثورة في مجالات وسائل الاتصال والتواصل لم تشهدها البشرية في تاريخها، إذ تمكنت بفضل مكوناتها التقنية المتطورة، ومفاعيلها الثقافية والإنسانية والسياسية والاقتصادية، من تحويل العالم إلى ما يشبه القرية الكونية، حيث أزيلت الحواجز والحدود بين الأمم والشعوب، وأخذت المجتمعات الإنسانية تتفاعل بسرعةٍ مذهلة، مع كل خبر أو صورة أو حدث يقع في بقعة من بِقاع العالم، مهما كانت نائية.
بعد التطور التكنولوجي الحاصل في وسائل الإعلام، أصبح عرض الصورة مع الصوت، أو عرض المعلومات بطريقةٍ ما، فنًا ووسيلة للتأثير في الجماهير بشكلٍ إيجابي أو سلبي تجاه شخص أو قضية ما لتحويلها إلى قضية رأي عام. فقد أصبحت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي من أهم وسائل التأثير في الجماهير وأخطرها، عبر نشر الأخبار المفبركة والمعلومات المغلوطة لخلق حالات التمرد والثورات، أو للدفع باتجاهاتٍ معينة لتأمين ظروف ملائمة لأصحاب القرار لخدمة أهداف سياسية، اقتصادية أو عسكرية.
استنادًا إلى هذه الثورة في ميدان وسائل الاتصال تتجه دول العالم اليوم إلى التركيز على الرأي العام، إذ تتسع دائرة الدول التي تعد هذا العامل عنصرًا فاعلًا في الحياة السياسية. وقد تأثر هذا التحول بجملةٍ من التطورات السياسية، تمثلت في بعض وجوهها في الترويج للقيم الديموقراطية وحقوق الإنسان وسواها من المبادئ التي تتطلع الشعوب إلى اعتمادها أساسًا لأنظمتها السياسية، الاقتصادية والاجتماعية.
في ظل التدفق الهائل للمعلومات وتسارع تناقل الأخبار المفبرَكة، يطرح هذا المقال إشكالية حول تأثير الأخبار المفبرَكة في تكوين الرأي العام وتوجيهه، ما يدفعنا إلى طرح الأسئلة الآتية: ما العلاقة بين الأخبار المفبرَكة والرأي العام؟ وكيف يتم استخدامها لتوجيه الرأي العام من أجل إحداث تغييرات في بنية المجتمعات داخل الدول المستهدفة؟ وتبرز الأهمية في حداثة الموضوع الذي تعالجه وحيويته كونه يثير الجدل الواسع، فقد تعرضت المؤسسات والدول في الآونة الأخيرة ولا تزال للعديد من الحملات الإعلامية والأخبار المفبرَكة لتأليب الرأي العام الوطني حول أدائها خلال فترات زمنية متفاوتة. والهدف هو توضيح مفهومَي الرأي العام والأخبار المفبرَكة وشرحهما، وتسليط الضوء على العلاقة بينهما لتكوين مفهوم شامل وواضح حول طرق توجيه الرأي العام وأساليبه، في ظل التطور الهائل في مجالات التواصل والاتصال حول العالم.

لمعالجة الإشكالية المطروحة والإجابة عن التساؤلات، تم تقسيم المقال إلى قسمَين. يتناول القسم الأول الأخبار المفبرَكة والرأي العام في الشق النظري منهما، لنتطرق في القسم الثاني إلى دور الأخبار المفبرَكة في تشكيل الرأي العام، وكيفية تأثر الجمهور بوسائل وأساليب مدروسة لتوجيهه في اتجاهات محددة، ومخطط لها مسبقًا لإحداث تغييرات جوهرية في سلوك الأفراد داخل المجتمع تجاه قضية معينة، إضافة إلى الخلاصة العامة.
القسم الأول
مفهوم الأخبار المفبرَكة ومفهوم الرأي العام
يقترن قِدَم الأخبار المفبرَكة وتاريخها بقِدَم الأخبار نفسها وعملية صناعة الأخبار وتاريخها بحد ذاتها. ففي نهاية القرن التاسع عشر، انتشر مصطلح الصحافة الصفراء1 التي تعتمد مبدأ تضخيم الحقائق والمبالغة فيها ومحاولة تشويهها وفق مصالح معينة، تكون إما ضد أشخاص معينين أو في سبيل مصالح سياسية أو اقتصادية أو حتى مجتمعية. يجسد هذا المصطلح مفهوم الأخبار المفبرَكة التي تهدف إلى إثارة الرأي العام لزيادة عدد المبيعات وإشاعة الفضائح باستخدام أساليب الانحياز بعيدًا عن المصداقية والشفافية والموضوعية المهنية.
مصطلح الأخبار الكاذبة fake news يغطي طيفًا واسعًا من الظواهر، فهو يشمل المعلومات المضللة غير المقصودة misinformation التي تُنشر عن جهل، والتضليل المتعمد disinformation المصمم لتبديل الحقائق أو توجيه الجمهور، وكذلك السخرية والبارودية التي قد تساء قراءتها خارج سياقها. كما يتضمن المحتوى المعدل أو المفبرك من صور مرممة ومقاطع صوتية معدلة إلى مقاطع فيديو اصطناعية متقدمة تعرف بـالديب فيك deep fake إضافة إلى عناوين جذابة تشجع على النقر clickbait ومقالات مزورة بالكامل.
تاريخيًا، الأخبار غير الصحيحة ليست وليدة المنصات الرقمية، فقد رافق التلاعب بالمعلومات المجتمعات منذ اختراع الطباعة، عبر المنشورات الدعائية، والجرائد الصفراء، والبث الإذاعي المدبلج. الجديد اليوم هو السرعة والنطاق والتقنية: وسائل التواصل الاجتماعي والخوارزميات تمنح المحتوى المثير قدرة وصول فورية ومركزة، وتقنيات توليد المحتوى تقلص تكلفة صناعة معلومات مزيفة وتزيد من إمكانيات التمويه. بهذا الشكل تتداخل سرعة الانتشار مع آليات الاستهداف الدقيقة، فيصبح من الممكن لرسالةٍ مزيفة أن تصل بسرعةٍ وتركيز إلى شرائح محددة من الجمهور وتتعزز عبر دوائر التأييد echo chambers.
كما أن تأثير الأخبار الكاذبة على الرأي العام يتجلى بعدة مسارات: أولًا، تضعف ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية والحكومية عندما تتشابك الحقيقة مع الكذبة، ما يولد سلوكًا تشكيكيًا أو استسلامًا للمعلومات المريحة بدلًا من السعي وراء الحقائق. ثانيًا، تغذي تكتيكات التضليل الاستقطاب السياسي والاجتماعي عبر تقوية الانتماءات الجماعية. ثالثًا، تؤثر مباشرة على قرارات الناس من خيارات الانتخاب إلى سلوكيات الصحة العامة خصوصًا عندما تقدم المعلومات المزيفة بصيغةٍ عاطفيةٍ أو متكررةٍ تجعلها تبدو مألوفة وموثوقة.
لقد شهدت السنوات الأخيرة أمثلة عملية تبين كيف يمكن للأخبار الكاذبة أن تشكل تصورًا عامًا: حملات التضليل خلال انتخابات عامة أثارت جدلًا واسعًا، وانتشار معلومات مضللة خلال جائحة كوفيد-19 أثر في قبول اللقاحات وسلوكيات الوقاية، وفي سياقات احتجاجية واجتماعية أثرت الشائعات والقصص الملفقة على مسارات التحشيد والردود الرسمية. لا يُقصد بهذه الأمثلة الاستشهاد بحالةٍ واحدة بعينها بقدر ما هو توضيح النمط: عندما تتلاقى كل من السرعة، التقنية والروايات العاطفية، يصبح الرأي العام أرضًا خصبة لتشكل تصورات قد لا تستند إلى وقائع متماسكة.
أولاًً: تعريف الأخبار المفبركة
وفق تعريف جامعة كامبردج، فإن الأخبار المفبرَكة هي أخبار أو مواضيع أو خدع تم اختلاقها من أجل تضليل أو خداع القراء، وعادة يتم اختلاق هذه القصص للتأثير في آراء الناس أو الدفع من أجل تنفيذ أجندة سياسية أو التسبب بإرباكٍ معين. يمكن أن تخدع المواضيع الإخبارية المفبرَكة الأشخاص عبر الظهور بأنها مواقع إلكترونية موثوقة أو عبر استخدام أسماء وعناوين مشابهة لوكالاتٍ إخبارية، تتمتع بسمعةٍ جيدة ومصداقية في الأوساط الإعلامية.
أشارت خبيرة محو الأمية الإعلامية مارتينا تشابمان2 إلى أن هناك ثلاثة عناصر تميز الأخبار المفبرَكة وهي: عدم الثقة، التضليل والتلاعب. فالأخبار المفبرَكة ليست جديدة، لكنها أصبحت موضوعًا بالغ الأهمية في العام 2017، بعد أن أتاحت الإنترنت طريقة جديدة تمامًا لنشر المعلومات والأخبار، ومشاركتها واستهلاكها في ظل مقدار قليل جدًا من المعايير القانونية أو معايير التحرير التي تلتزم بها وسائل النشر التقليدية ووسائل الإعلام.
في عصر تتقاطع فيه السرعة الرقمية مع الانتشار الواسع للمحتوى، باتت المعلومات غير الدقيقة قادرة على إحداث نتائج موضوعية ملموسة — من تغير سلوكيات صحية إلى تقلبات اقتصادية وخلافات سياسية عميقة. وقد عرفت منظمات صحة عامة عالمية هذا الانتشار بأنه «وباء معلوماتي» يستلزم استجابة منهجية، لأن الخطر لا يكمن في المعلومة الخاطئة بحد ذاتها فقط، بل في قدرتها على الانتشار بسرعةٍ وبشكلٍ مركز3.
الأخبار المفبرَكة fabricated news هي كل محتوى إعلامي مصمم أو محرف بطريقةٍ تقدم معلومات غير صحيحة أو مضللة إلى الجمهور، سواء بُنيت هذه المواد عمدًا لخداع المتلقي أم نُشرت عن جهل أو سهو. يمكن تفصيل أنماطها الأساسية إلى أربعة أنواع رئيسة:
1) معلومات مغلوطةmisinformation : أخطاء أو ادعاءات غير دقيقة تنتشر من دون قصد خداعي.
2) معلومات مضللة: disinformation محتوى معد عمدًا لنشر كذبة أو توجيه الرأي.
3) محتوى ساخر أو بارودي قد تفهم رسالته خطًا خارج سياقها.
4) محتوى محرف أو معدل تقنيًا مثل التزوير الصوتي أو المرئي والديب فيك deep fake الذي يستَخدم لخلق أدلة زائفة أو تشويه صور الأشخاص. وهذه الفئات تتداخل في الشكل والنتيجة أحيانًا، لكن كل نمط له خصائصه التوضيحية والتقنية4.
الفرق الجوهري بين misinformation وdisinformation يكمن في النية وراء النشر: الأولى خطأ أو تصديق خاطئ ينشر من دون قصد بهدف الضرر أو الخداع، بينما الثانية تقترن بقصدٍ محدد لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية عبر الخداع المتعمد. مع ذلك، النتيجة العملية قد تتشابه بينهما؛ فكلاهما قد يقوي سردية زائفة أو يضعف ثقة الجمهور بالمصادر الموثوقة. ولذا فإن الاستجابة الفاعلة تتطلب تمييزًا تحليليًا بين النوايا لتحديد المسؤولية القانونية والأخلاقية وبين آليات الانتشار والتأثير للتدخل التقني والتربوي.
1. أشكال الأخبار المفبرَكة
جعلت شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من عملية نشر المعلومات على أي موقع إلكتروني أمرًا في غاية السهولة، مع إمكان وصول هذه الأخبار إلى أعداد كبيرة من الجماهير. ومع استقاء الكثير من الأشخاص حاليًا أخبارهم من مواقع التواصل الاجتماعي، استخدم العديد من الناشرين ومحرري المحتوى هذا الأمر لصالحهم، من أجل التأثير في الرأي العام لغايات سياسية بالدرجة الأولى أو مصلحية متعمدة. إذ ثمة أشكال مختلفة من الأخبار المفبرَكة أو المضللة التي نحتاج إلى معرفتها، وهي:
Clickbait: عبارة عن مواضيع أو قصص مفبرَكة تهدف إلى كسب المزيد من الزوار لموقع إلكتروني محدد، وزيادة عائدات الإعلانات الخاصة بالموقع.5 وتَستخدم مواضيع Clickbait عناوين مثيرة للانتباه لزيادة نسبة القراء أو المتصفحين على حساب الحقيقة والمصداقية.
الصحافة القذرة: في بعض الأحيان، قد ينشر الصحفيون موضوعًا يحتوي على معلومات غير موثوق بها أو من دون التحقق من جميع حقائقه من أجل تضليل الجماهير، وكسب الشهرة أو المنفعة الخاصة، من خلال إثارة الجمهور المستهدف وجذب انتباهه نحو مسألة محددة بطريقةٍ لاواعية.
العناوين المضللة: يمكن تشويه القصص التي قد لا تكون مفبرَكة بالكامل باستخدام عناوين مضللة أو مثيرة. تنتشر هذه الأنواع من الأخبار بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، حيث يتم عرض العناوين الرئيسة أو مقتطفات صغيرة من المقالة الكاملة فقط من أجل جذب انتباه الجمهور.
الأخبار المنحازة: ينجذب الكثير من الناس إلى الأخبار أو القصص التي تشبه معتقداتهم أو تحيزاتهم، ويمكن للأخبار المفبرَكة أن تستغل هذه الانحيازات، لإيصال رسائل إلى جمهور محدد أو تعزيز وجهة نظر متحيزة أو قضية أو أجندة سياسية معينة ضمن إطار الحرب النفسية.
2.مصادر الأخبار المفبرَكة
حاليًا يستقي الكثير من الناس الأخبار من شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت، وغالبًا ما يكون من الصعب معرفة ما إذا كانت القصص موثوقة أم لا. فقد ساهم التدفق الهائل للمعلومات وعدم الإلمام بكيفية عمل الإنترنت من قبل المستخدمين في زيادة أعداد المواضيع المفبرَكة وانتشارها بشكلٍ مضطرد، بحيث تؤدي مواقع التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في زيادة انتشار هذا النوع من القصص وتعدد مصادرها، وهي يمكن أن تكون:
أخبار الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي تسعى إلى إبداء الإعجاب أو زيادة عدد المتابعين للصفحات الناشرة، هي أبرز المنصات الرئيسة المستخدمة لنشر الأخبار المفبرَكة. فالهدف منها هو تجميع أكبر نسبة مشاهدات لكي يصبح الخبر متداولًا، أو تسجل القناة المعلِنة أكبر نسبة متابعة لها لتضمن بذلك دخلًا ماليًا في بعض الأحيان، بغض النظر عن المصداقية والشفافية.
مصادر غير موثوقة بحيث يمكن انتشار الأخبار المفبرَكة من خلال تتبع مواقع متخصصة في نشر الإشاعات والكلام المتداول عن الأوساط الفنية أو الأوساط السياسية. تعتمد هذه المواقع على المشاهدات غير الدقيقة والصور الملتَقطة بشكل عفوي للمشاهير من قبل الصحفيين المتتبعين لهم وإصدارها كسبق صحفي أو صور حصرية تعتمد التعليق على الصورة.

الصحف والمواقع الإخبارية التي تهدف إلى نشر صور ومواقف لأشخاص أو جهات، والتعليق عليها بشكل مختلف تمامًا عن المغزى الحقيقي للصورة أو الموقف أو الرأي للشخص المعلَن عنه أو الجهة التي تتعلق بها هذه الأخبار. وذلك وفقً سياسات المواقع الإخبارية وانتماءاتها، ومواقف الجهات أو الأشخاص الذين يكونون محور اهتمام الصحفيين والمتابعين.
ثانيًا: مفهوم الرأي العام
ارتبط الرأي العام بالمجتمع الإنساني حيثما وجد، إلا أنه لم يتبلور بشكلٍ علمي إلا في ثلاثينيات القرن الماضي، بعد تأسيس معهد غالوب لقياس الرأي العام في أميركا في العام 1935. وتطور المفهوم عبر السنين، حتى أصبح قوة مسيطرة في المجتمعات الحديثة، نتيجة انتشار التعليم، وزيادة وعي الجماهير بالقضايا الدولية، والتطور التقني لوسائل الإعلام الجماهيرية، التي أسهمت في سرعة انتشار المعلومات والأفكار وتدفقها.
يعد الرأي العام نتاجًا متبادلًا بين مواقف أفراد أو مجموعات تجاه قضايا عامة قابلة للنقاش، وليس مجرد مجموع آراء منعزلة؛ إذ تتشكل هذه المواقف عبر تفاعل بين المعلومات المتاحة، الهياكل المؤسسية، والعمليات الثقافية. كما يفيد مفهوم الفضاء العام عند هابرماس بأن مكان تداول الآراء أو المنابر العامة يحدد إمكان بلورة رأي عام متماسك أو تفككه، لذلك يجدر بالبحث الجمع بين تعريفات كلا المجالَين لفهم الطابع الاجتماعي والسياسي للرأي العام6.
تتكون ظاهرة الرأي العام عادة من أربعة عناصر مترابطة: الجمهور وهو عبارة عن مجموعات من المواطنين أو شرائحهم التي تتأثر وتتفاعل، القضايا وهي الموضوعات العامة التي تثير الاهتمام والنقاش، الزمان والمكان وهو سياق تطور الآراء والحدود الجغرافية والزمنية لتأثيرها، ووسائل التعبير كالمنابر الإعلامية، التقليدية والرقمية، والحوارات بين المواطنين. كل عنصر يعد وسيطًا لمدى صلابة الرأي العام أو هشاشته: فوجود وسائل تعبير متعددة ومفتوحة يعزز إمكان النقاش، بينما احتكار القنوات أو تشويه إطار النقاش يقوّض بلورته. تحليلات السلوك الانتخابي وسياسات الإقناع تشير إلى أن آليات التأطير framing والانتقاء الإعلامي تؤديان دورًا مزدوجًا في تشكيل ما يبدو رأيًا عامًا7.
كما تؤثر عوامل متعددة في تكوين الرأي العام: الإعلام التقليدي بحكم تراكمه المؤسساتي وإمكاناته في وضع أجندات، والإعلام الرقمي الذي يغير وتيرة الانتشار وآليات الاستهداف والتجميع، وتؤدي الثقافة والهوية والقادة والنخب أثرًا مباشرًا عبر الإرشاد والتأثير الرمزي. في البيئة الرقمية، تسمح بنية الشبكات ونماذج المشاركة والمشاركة المدفوعة بتسريع بلورة الآراء أو تقسيمها إلى تجمعات متوازية echo chambers، ما يجعل استراتيجيات الدبلوماسية الرقمية تتطلب فهمًا تقنيًا وسلوكيًا لآليات الانتشار والتضخيم8. لذلك، لا يمكن لأي تحليل جاد للدبلوماسية الرقمية أن يتجاوز دراسة طرق ولادة الرأي العام وأدوات قياسه والتأثير فيه.
1. تعريف الرأي العام وأنواعه
يتكون المصطلح من كلمتَين، وهما الرأي الذي يظهر درجة من الاقتناع الفكري التي تسمو على الانطباع، وتكاد تصل إلى درجة العقيدة لولا سهولة التأثير فيها وديناميكيتها، فهي أشد قوة من الإحساس ومن دون العقيدة. أما العام فتعني كل ما هو غير خاص، وتعبّر عن وجهة النظر الخاصة بالأمور العامة التي يشترك فيها أغلب أعضاء الجماعة في مجتمع أو دولة محددة9.
عرفه الدكتور مختار التهامي بأنه الرأي السائد بين غالبية الشعب الواعية في فترة زمنية بالنسبة لموضوعٍ أو أكثر يحتدم فيها الجدل والنقاش، وتمس مصالح الأغلبية، أو قيَمها الإنسانية مسًا مباشرًا، إنه التعبير الحر عن آراء الناخبين أو من في حكمهم بالنسبة للمسائل العامة المختلف عليها، على أن تكون درجة اقتناع الناخبين بهذه الآراء وثباتهم عليها كافية للتأثير على السياسة10.

أما الباحث الأميركي ليونارد دوب11 المتخصص في مجال البروباغندا والحرب النفسية فقد عرف الرأي العام بأنه اتجاهات الناس ومواقفهم إزاء موضوع معين حين يكون هؤلاء الناس أعضاء في نفس الجماعة، ويرى أنه الفكرة السائدة بين جمهور من الناس تربطهم مصلحة مشتركة إزاء موقف، أو مسألة عامة تثير اهتمامهم، أو تتعلق بمصالحهم المشتركة. ونلاحظ أن الرأي العام يعبر عن قناعات مشتركة لأغلب أفراد المجموعة حول مسائل مختلفة.
على الرغم من اختلاف التعريفات، إلا أنه يمكن القول إن الرأي العام هو موقف تتبناه أغلبية أفراد جماعة ذات مصالح مشتركة، ويتشكل إزاء قضية ما بعد توافر المعلومات حولها وخضوعها للمناقشة واكتساب تأييد جماعة أخرى، فيصبح رأي الأغلبية الواعية، ويشكل عامل ضغط على السلطة لاتخاذ قرارات معينة تجاه تلك القضية. وهذا ما يجعله عرضة للعديد من العوامل التي تسعى إلى التأثير فيه واستمالته نحو اتجاهات محددة، تحقيقًا لأهدافٍ ومصالح سياسية أو اقتصادية.
2. أنواع الرأي العام وعناصره
يتأثر الرأي العام خلال عملية تكوينه بعدة عوامل تبدأ بالمرحلة التي تسبق ظهوره، وتعود لثقافة المجتمع، وقِيَمه الفكرية والدينية، ثم يظهر لاحقًا تأثير جماعات الضغط والمصالح، وقادة الرأي والنخب الحاكمة، والزعامات ووسائل الإعلام. لذلك يصنف الرأي العام وفق عدد من المعايير المتعلقة بالجغرافيا، والزمن، ودرجة الوضوح، والتأثير، والقوة، والظهور، والثبات12.
وفق المعيار الجغرافي يمكن أن نجد الرأي العام الوطني الذي يسود بين أفراد الشعب داخل الدولة تجاه قضية تتعلق بالمصلحة العامة، ثم الرأي العام الإقليمي الذي يظهر بين مجموعة شعوب ترتبط بمصالح مشتركة، فالرأي العام العالمي هو الذي يتشكل لدى مجموعة شعوب، أو دول تجاه قضية عالمية في فترة زمنية معينة دون وجود ترابط، أو مصالح مشتركة واضحة بينها.
وفق المعيار الزمني نجد الرأي العام المؤقت الذي يتشكل إزاء حدث مفاجئ، ويزول مع انتهاء الحدث. والرأي العام الدائم الذي يستند إلى القيم، والعادات، ما يجعله مستقرًا إلى حد كبير، ويسود في المجتمعات غير الديموقراطية والدول التي تعتمد الأنظمة السياسية الدكتاتورية أساسًا للحكم.
وفق معيار درجة الوضوح والتأثير، نجد الرأي العام الفعلي القائم فعلًا في وقت من الأوقات، ويتم التعبير عنه من خلال التحرك الشعبي، أو الجماعة تجاه مسألةٍ معينة. والرأي العام الكامن الذي لم يتبلور، ويتصف بالخوف والسلبية واللامبالاة لدى الشعب، فلا يتحرك على الرغم من وجود قضية تتطلب اتخاذ موقف معين، ثم الرأي العام الصريح الذي يظهر في الدول الديموقراطية13.

اتفق معظم الباحثين على العناصر الرئيسة للرأي العام، أهمها: وجود جماعة، أو جمهور تربط بين أفراده مصالح مشتركة، ثم مسألة عامة تشكل موضع خلاف وتمس مصالح غالبية أفراد الجماعة، وتوفر الحقائق والمعلومات الدقيقة المتعلقة بالقضية وإجراء مناقشات وجدل حولها من قبل الجماعات وقادة الرأي والنخب، أو وسائل الإعلام الذين يؤثرون بشكلٍ أساسي في تكوين الرأي العام.
يمكن التعرف إلى اتجاهات الرأي العام نحو أي قضية من خلال عناصره، وينبثق من هذه العناصر نوعان من الرأي العام، يستند الأول إلى منظومة المجتمع الدينية، الثقافية والاجتماعية ويعرف بالرأي العام المستقر. أما الثاني فيعتمد التعقل والتمحيص وينشأ عن الرغبة في التغيير ويسود في المجتمعات الديموقراطية وهو الرأي العام الديناميكي والمتحرك الذي يتغير مع الحقائق والمعلومات14.
يستند الرأي العام إلى حرية الفكر والتعبير ويعتمد على المعلومات والحقائق، ويتأثر بقيمٍ وثقافة وعقيدة الجماعة التي يعبر عنها وطبيعة نظامها السياسي. كما يتأثر بالوضع الاقتصادي حيث ارتفاع نسبة الفقر، وظهور بعض الآفات الاجتماعية، وعدم النضج والوعي السياسي الكامل، وتذبذب مستوى الحريات العامة وتدني قدرة الأحزاب على الإسهام في بلورة الرأي العام.
وضع الباحثون مجموعة من الخصائص التي يتصف بها الرأي العام وتتعلق بمدى انتشاره، ورفضه أو قبوله للقضية، وثباته وقوته وشدته، وحجمه ومعقوليته، وعلاقته بالعواطف الإنسانية، التي تشير إلى تأثره الكلي بالمعلومات والحقائق المنقولة15. لذلك لا بد من تحديد العلاقة بين الأخبار المفبركة والرأي العام، وتحديد كيفية وقوع الرأي العام ضحية في شباك الأخبار المفبرَكة لتوجيهه ضمن أطر محددة.

القسم الثاني
الرأي العام والدبلوماسية في شِباك الأخبار المفبرَكة
يمثّل ظهور الأخبار المفبرَكة Fake News والمعلومات المضللة Disinformation التحدي الأكثر خطورة على فعالية نشر المعلومات في القرن الحادي والعشرين. ففي ظل الانتشار الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الرأي العام العالمي يتشكل عبر القنوات الإعلامية الرسمية التي يمكن السيطرة على رسائلها، بل أصبح عرضة للتلاعب المنهجي عبر شبكات التضليل التي تسعى لإحداث استقطاب وتقويض ثقة الجمهور في المؤسسات الديموقراطية والحكومية16. إن طبيعة البيئة الرقمية، التي تمنح الأخبار الزائفة قدرة انتشار أسرع وأوسع من الحقائق، تستغل التحيزات الإدراكية لدى الجمهور، وتثير ردود أفعال عاطفية، ما يعزز من لولب الحصار المعلوماتي الذي يحيط بوعي المتلقي17.
تتجلى خطورة هذا التحدي في كونه يهدد الأهداف الجوهرية للدبلوماسية الرقمية، وعلى رأسها الدبلوماسية العامة. فبدلًا من استخدام المنصات الرقمية لبناء صورة إيجابية للدولة والتواصل مباشرة مع الجماهير الأجنبية، تجد وزارات الخارجية نفسها مضطرة لتخصيص موارد ضخمة لـمكافحة السرديات الخبيثة التي تستهدف نزع المصداقية عن مواقفها وسياساتها الخارجية. عندما يصبح من الصعب التمييز بين المعلومات الحقيقية والزائفة، يتآكل رأس المال الدبلوماسي الأثمن وهو الثقة.
لمواجهة هذا الواقع، تحولت الدبلوماسية الرقمية إلى ما يطلق عليه «الجانب المظلم» منها، حيث لا يقتصر الدور على النشر الإيجابي، بل يشمل تطوير استراتيجيات الاتصال الاستراتيجي المضاد أيضًا Counter-Strategic Communication. تتضمن هذه الاستراتيجيات استخدام آليات تقنية متقدمة لرصد حملات التضليل وتفكيكها، وتوفير أدوات محو الأمية الإعلامية للجمهور، وبناء روايات بديلة قوية ومقنعة لا تكتفي بـتكذيب الخبر الزائف بل تقدّم سردية متماسكة تستبدله في الوعي العام. إن نجاح الدبلوماسية في العصر الرقمي يعتمد بشكلٍ متزايد على قدرتها على بناء المرونة المعلوماتية لدى مجتمعاتها وحلفائها لمقاومة السموم الرقمية التي تهدد استقرار الرأي العام والتماسك الاجتماعي والقبول الدولي للسياسة الخارجية.
أولاًً: الرأي العام بين السلطة ووسائل الإعلام
تنبهت الحكومات إلى ضرورة توظيف الإعلام لتبرير سياساتها والترويج لها من خلال السيطرة على المعلومات للتأثير في الرأي العام، وتستند العلاقة بين السلطة والرأي العام إلى محاولة كل منهما توظيف الآخر لخدمة أهدافه. بحيث تسعى السلطة إلى إخضاع الرأي العام لهيمنتها وتوجيهه لدعم سياساتها والحفاظ على شرعيتها، في حين يحاول الرأي العام الخروج على هيمنة السلطة والوقوف ندًا لها معتمدًا على وسائل الإعلام18.
تهتم السلطة بالسيطرة على وسائل الإعلام نظرًا لدورها في التأثير على الجماهير، من خلال المعلومات التي تقدّمها عن مختلف القضايا، وتأتي السيطرة من خلال التدخل في محتوى الرسالة الإعلامية أو صياغة التشريعات التي تمنحها حق إصدار التراخيص، وأحيانًا من خلال ملكية بعض وسائل الإعلام التي تتحدث باسمها لكي تسيطر على المعلومات التي ترغب في إيصالها أو حجبها عن الجمهور.
بغض النظر عن نوع نظام الحكم وشكله، توجد علاقة بين ما ترغب به الجماهير وما تفعله السلطة، لذا تبرز أهمية التعرف على ما يريده الشعب سواء أكانت في الديكتاتوريات أم الديموقراطيات، لكسب وده ورضاه وتحقيق الاستقرار، ولكي يشعر أفراد الشعب أنهم شركاء في صياغة السياسات. وهذه الشراكة هي فعلية إلى حد ما في الأنظمة الديموقراطية ومصطنعة في الأنظمة التسلطية الاستبدادية.
يلاحَظ أن السلطة سواء أكانت في الأنظمة الديموقراطية أم الديكتاتورية، وفي الوقت الذي يكون فيه الرأي العام سلبيًا أو كامنًا تعمل على إبرازه وتسعى لمعرفته؛ كي تتمكن من تصحيح خطابها، وتبرز سياستها لتبقي نفوذها وهيمنتها على الشعب كي لا تتعرض للانهيار والانكماش، لأنها تستمد قوتها وجوهر وجودها من هذا الجمهور.
تؤثر وسائل الإعلام في الرأي العام في مرحلة تشكله أو عند نقله للسلطة فتعمد إلى تحويره ليصل خلافًا لما هو عليه19، وفي الأنظمة التسلطية حيث السيطرة التامة على وسائل الإعلام عبر أجهزة الدولة الرقابية والمخابراتية، يبرز تأثير السلطة في تكوين الرأي العام وتوجيهه بشكلٍ أكبر، لكنها قد لا تنجح دائمًا في إحداث التأثير اللازم بسبب الزخم الهائل من الرسائل الإعلامية، التي تستخدم في مجالات العمليات النفسية.
1. الأخبار المفبرَكة في إطار العمليات النفسية
اعتبر إمبراطور فرنسا في أوائل القرن التاسع عشر نابليون بونابرت، أن حرب العقل أقوى من حروب الأسلحة، فهناك قوتان فقط في العالم: العقل والسيف، وعلى المدى الطويل، العقل دائمًا سينتصر على السيف20. وفي هذا الإطار تستخدم العمليات النفسية الوسائل الإعلامية والأخبار المفبرَكة كوسيلةٍ للتأثير في معنويات العدو وأفكاره وسلوكه، وإقناعه بأن لا جدوى من الاستمرار في الحرب، وأن الهزيمة أو الاستسلام هما الحل الوحيد.
يقول وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر باول جوزف غوبلز: «إن أسلحتنا هي الاضطراب الفكري وتناقض المشاعر والحيرة والتردد والرعب الذي ندخله في قلوب الأعداء، فعندما يتخاذلون في الداخل وتهددهم الفوضى، تحين الساعة لنفتك بهم»21. بحيث يعتبر التضليل الإعلامي ونشر الأخبار المفبرَكة من أبرز وسائل العمليات النفسية الهادفة إلى خداع العدو، وإخفاء الحقائق عن أجهزة مخابراته، وتوجيه تقديراتها وجهودها إلى اتجاهات زائفة تؤدي إلى قرارات تخدم هدف المخطط.
تهدف الشائعة إلى زعزعة صفوف العدو وإفقاده الثقة بمؤسساته وحكامه، وتقويض الروح المعنوية لدى أبناء الشعب، من مدنيين وعسكريين. لذلك تؤدي دورًا مؤثرًا في العمليات النفسية، فهي كل خبر يحتمل الصدق، مجهول المصدر، وليس هناك من دليل على صحته، يتم تناقله وينتشر بسرعةٍ هائلة. وهنا يمكن أن تستخدم الأخبار المفبرَكة في إطار الشائعات لإحداث تغييرات في توجهات الرأي العام بخصوص قضية ما.
اعتبر المفكر الصيني صن تزو أن المأثرة ليست في خوض الحرب والانتصار في المعارك، إنما هي في تحطيم العدو من دون قتال. لذلك تعتَمد الأخبار المفبرَكة لإعداد الحملات الدعائية في كثير من الأحيان، بحيث تشكل الدعاية أبرز الأساليب التي تمرر الحرب النفسية أهدافها عبرها، وتحقق أغراضها بواسطتها. فالعمليات النفسية تستند إلى أساليب الأخبار المفبرَكة والدعاية الإعلامية التي تستخدم أسلحة العقل والعواطف لتحطيم معنويات العدو، وإضعاف إرادة القتال والصمود لديه.
إن الحروب النفسية المعتمدة على الحملات الدعائية، التي يمكن تمريرها بسهولةٍ عبر الشبكة العنكبوتية، أصبحت أكثر أنواع الحروب خطورة وتأثيرًا. وذلك بسبب الارتباط النفسي للبشر بالتكنولوجيا، الأمر الذي يجعلهم هدفًا سهلًا، ويقعون في شِباك الأخبار المفبرَكة والمضللة. من هذا المنطلق، يؤدي الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي دورًا بارزًا في تشكيل اتجاهات الرأي العام، وبناء القناعات الذاتية والمواقف وردات الفعل والآراء تجاه مختلف القضايا والأحداث في شتى المجالات.
يشكل الإنترنت ومواقع التواصل مصدرًا مهمًا للمعلومات الخاطئة والأخبار المفبرَكة، ومجالًا لأفكارٍ مسمومة تهدف إلى نشر الفوضى والتضليل الإعلامي. والأكثر خطورة أن بعض برامج الفضائيات التلفزيونية تتبنى أجندتها، ما انعكس سلبًا على الرأي العام، وساهم في نشر الثقافات المنحرفة، وبث مشاعر الكراهية والطائفية والانقسام.
تشهد مواقع التواصل الاجتماعي انتشارًا واسعًا بين شريحة كبيرة من الناس خلال السنوات الأخيرة، وباتت تستخدمها مختلف الفئات العمرية، بحيث يبلغ عدد المستخدمين حوالى 1,8 مليار مستخدم. ومع تعدد الشبكات الاجتماعية، أصبح تصنيفها يأتي بالنظر إلى مدى انتشارها بين الجماهير، ومن أبرز هذه المواقع: فيسبوك، تويتر أو أكس، يوتيوب وإنستغرام22.
2. دور الأخبار المفبرَكة في قضايا دولية معاصرة
يسلط باحثون وصحفيون الضوء على إشكالية الأخبار المفبرَكة، سواء أكانت في أوروبا أم على الصعيد العالمي، مؤكدين أن هذه الأخبار يكون وراءها أشخاص يحاولون تحقيق مصالحهم الخاصة، ومبرِزين أن هناك دولًا تعمل على اختراع الأخبار، ناهيك عن ربطها بنموذج اقتصادي جديد للصحافة يقوم على أكبر عدد من النقرات Clicks، ما يجعل عددًا من المواقع الإلكترونية ينشر هذه الأخبار على صفحاتها للاستفادة منها إلى أقصى حدود.
من بين 2608 تغريدات نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال عامه الأول في البيت الأبيض، كان تعبير الأخبار المفبرَكة Fake News هو الأكثر تكرارًا؛ إذ وردت هذه العبارة في 196 تغريدة في إطار تهجمه على وسائل الإعلام التي لا يتفق معها أو يصنفها معادية له23. وفي نهاية العام 2017، أصبحت الأخبار المفبرَكة كلمة العام وفق اختيارات قاموس Collins للكلمات الأكثر تأثيرًا وحضورًا.
نشرت شركة التحليلات الشهيرة Jump shot في كانون الأول من العام 2017، تقريرًا حول المواقع التي تنشر الأخبار الوهمية والمضللة، والتي تعتمد بشكل كامل على موقع التواصل فايسبوك، للحصول على أعلى معدل زيارات لها. وجاء في التقرير أن المواقع الوهمية تحصل على أكثر من 70% من حركة المرور الخاصة بها من خلال زيارات المستخدمين القادمة من فيسبوك، في ما تحصل المواقع الإخبارية المهمة على أقل من 30% من عدد الزيارات الخاصة بها، مثل صحيفة The New York Times.
يتعرض موقع فيسبوك لانتقاداتٍ شديدة لفشله في وقف انتشار المقالات الإخبارية الكاذبة خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية، واستخدامه في نشر الأخبار المفبرَكة والمعلومات المغلوطة24. فأعلن أنه طرح عددًا من الأدوات الجديدة لمنع انتشار قصص إخبارية زائفة على شبكة التواصل الاجتماعي. وستسهل الشركة على المستخدمين الإبلاغ عن المقالات الزائفة على صفحاتهم الرئيسة، وستعمل مع مؤسسات مثل Snopes، وABC News وAssociated Press، للتأكد من مصداقية القصص.

بداية العام 2018، أعلن مسؤولون ألمانيون بارزون عن نيتهم إقرار تشريع لمواجهة خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي ومنها فيسبوك، وفرض عقوبات صارمة في حال لم تتم إزالة هذه المنشورات والرسائل بسرعةٍ. وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد وجهت أصابع الاتهام إلى روسيا، واتهمتها بمحاولة التأثير في الانتخابات التشريعية الألمانية التي نُظّمت في العام 2017.
لم تكن الإدارة الأميركية وحدها التي تحدثت عن تدخّل روسي، فقد صدرت تصريحات وتحذيرات من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا عن حملات منسقة قيل أن مصدرها روسيا، وهدفها التأثير على الرأي العام وإثارة القلاقل من خلال بث الأخبار والمعلومات المدسوسة والمفبرَكة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك أعلنت الحكومة البريطانية أنها ستنشئ وحدة خاصة في مجال الأمن الوطني لمواجهة الأخبار المفبرَكة، التي تقف وراءها أجهزة دول أخرى تعمل على زعزعة الأمن الداخلي للدول المستهدفة.
على سبيل المثال، نشرت صورة لسيدةٍ أثارت جدلًا واسعًا عقب حادث الدهس في لندن في آذار العام 2017، بدا أنها تسير قرب المصابين وهي تشيح بوجهها وتتحدث على هاتفها وكأنها غير مكترثة بالمصيبة من حولها، ما أدى إلى إثارة مشاعر سلبية في بريطانيا، خصوصًا مع تداول تعليقات مسيئة. وعلى الرغم من أن السيدة سارعت إلى إصدار بيان توضح فيه أنها كانت تعاني من صدمة شديدة مثل الكثيرين إلا أن الضرر كان قد وقع بالفعل25.
تتيح مواقع التواصل الاجتماعي الفرصة للأجهزة المعنية في المؤسسات العسكرية لنشر أخبار وتغريدات وبث مقاطع فيديو، من شأنها كسب الدعم والتعاطف الشعبي ومكافحة الأخبار المفبرَكة، واستهداف فئة الشباب لتعزيز انتمائهم وولائهم للوطن. يفتح هذا الأمر الباب لتسليط الضوء على الدور الذي يمكن أن تؤديه الجيوش في هذا المجال، وآفاق استثماره مواقع التواصل الاجتماعي في عملياتها النفسية لمواجهة الأخبار المغلوطة والحملات الدعائية المغرضة، تحقيقًا للمصلحة الوطنية العليا.
ثانيًا: تأثير الأخبار المفبركة في القدرات العسكرية للدولة
إن واقع استخدام شبكة الإنترنت قد فرض تغيير طرق التفكير والأساليب المتبعة في خطة المواجهة الرقمية. ويتركز عمل الجيش والأجهزة الأمنية على مراقبة القدرات الإلكترونية والرقمية، خصوصًا نشاطهما على وسائل التواصل الاجتماعي، ومواجهتها عبر حملات وعمليات نفسية مضادة. من هذا المنطلق، عمدت الجيوش الحديثة إلى تفعيل أقسامها لتلبية متطلبات العمليات النفسية وتحقيق أهدافها لمواجهة الأخبار المفبرَكة والتصدي لآثارها التخريبية.
يرتكز عمل الجيش الحديث على استثمار وسائل الإعلام لخدمة حملاته الإعلامية وعملياته النفسية، في التصدي لأي هجمة دعائية منظمة من قبل العدو والإرهاب، ولمواجهة الأخبار المفبرَكة وتداعياتها. من هذا المنطلق، أطلق حسابًًا على موقع تويتر وصفحة رسمية على فيسبوك، وذلك كمنصةٍ إعلامية إلكترونية لمواجهة خطرَي الإرهاب، وكوسيلةٍ للتواصل مع المواطنين وتوعيتهم، والتصدي لما يطرح عبر شبكة الإنترنت من مغالطات وأفكار هدامة.
تقوم الجيوش الحديثة بإعداد دراسات حول العقيدة العسكرية لجيش العدو ونظام قتاله، وأساليب الحرب النفسية والدعاية. كما يعمل على دراسة البنية الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية، والنظام السياسي للعدو، وتحليل أهدافه العالمية وأخطارها. كما تهتم بدراسة بنية التنظيمات الإرهابية والأصولية وانتشارها وأساليب قتالها، وانتماءاتها السياسية والعقائدية.
لذا يتولى قسم العمليات النفسية في مهمة إعداد خطط العمليات النفسية التي تهدف إلى تحصين الجيش من الإعلام المضاد ومن الأخبار المفبرَكة، ووضع خطة تتماشى مع تطور وسائل الإعلام. بالتوازي يقوم التواصل الاجتماعي برصد الشائعات والأخبار المفبرَكة ومكافحتها عبر نشر الحقائق والمعلومات الصحيحة.
للتأثير في الرأي العام، تستخدم الجيوش الحديثة مواقع التواصل الاجتماعي التي تعد من الوسائل الأكثر فعالية في إبراز الإنجازات على مختلف الصعد من ميدانية، أمنية، إنمائية وإنسانية بالإضافة إلى التصدي للحملات الدعائية والأخبار المفبرَكة التي يقوم بها العدو والتنظيمات الإرهابية بهدف الترويج لأفكارهما وممارساتهما الوحشية والتأثير في الرأي العام. من هنا، تبرز أهمية رصد مواقع التواصل الاجتماعي وتوجهات الرأي العام، بغية تعزيز القدرة على المواجهة الفاعلة في الزمان والمكان المناسبَين.
1. تـأثير تدفق المعلومات في نشر الأخبار المفبركة
إن التطور التكنولوجي في مجالات الاتصالات والتواصل حول العالم جعل من الكرة الأرضية قرية كونية واحدة، فقد أدى هذا التطور إلى تدفق هائل للمعلومات وإمكانية نشرها وتوزيعها على الجماهير. ما يؤثر في الرأي العام بمختلف أنواعه ويقوم بتوجيهه باتجاهاتٍ محددة ومخططة في كثير من الأحيان، وفق أجندات وسياسات محضرة مسبقًا للوصول إلى هدف محدد على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو العسكري.

هذا التدفق من المعلومات الدقيقة وغير الدقيقة جعل من الرأي العام عرضة للتأثيرات الناجمة عن الأخبار المفبرَكة، التي تسعى إلى حَرفِه عن وجهته الحقيقية من أجل تحقيق مآرب شخصية أو سياسية، سواء أكانت اقتصادية أم مالية أم سلطوية أم شعبوية، بعيدًا عن الموضوعية العلمية التي يجب أن تكون الصفة الأساسية لعملية تناقل الأخبار والمعلومات.
اختلفت التعريفات حول ماهية الأخبار المفبرَكة، لكنها حددت بشكلٍ جوهري أنها تلك الأخبار التي تسعى بشكلٍ أساسي إلى تضليل القراء وخداعهم واستغلال ثقة الجمهور، من أجل تحقيق مكاسب معيّنة بعيدًا عن الأداء المهني والمصداقية. كما تتعدد أشكالها ومصادرها بالأخص مع الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي وتغلغلها في المجتمعات كافة.
لذلك نجد أن الرأي العام هو الهدف الأساسي للأخبار المفبرَكة، فهو ذلك الرأي الذي يتشكل عند شريحة كبيرة من المجتمع الداخلي أو الإقليمي أو العالمي تجاه قضية محددة، وهو يختلف بين دولة وأخرى وبين منطقة وأخرى، تِبعًا للأنظمة السياسية السائدة أو الأعراف والتقاليد الاجتماعية والثقافية المنتشرة، ويتميز بالقابلية الكبيرة للتغير والتأثر بالمنتجات الإعلامية. وقد أظهرت التجارب المعاصرة في قضايا دولية مهمة قدرة الأخبار المفبرَكة على توجيه الرأي العام والتأثير في سياسات الدول الكبرى، بحيث أدت إلى وقوع أزمات سياسية على الصعيد العالمي.
من جهة ثانية، لا يمكن التسليم بأن هذه الأخبار المفبرَكة بريئة دائمًا من وجود مخططات محضرة مسبقًا في إطار العمليات النفسية، وبهدف التأثير في بنية البيئة الداخلية للدولة الخصم، وبالتالي انعكاس ذلك بشكلٍ تلقائي على قدرات القوات المسلحة للحد من فاعليتها وإمكانياتها المعنوية والعسكرية. لذلك يسعى إلى تضليل الجمهور الوطني، وبث الشائعات والأخبار المفبرَكة في إطار الحرب النفسية.
2. تأثير الأخبار المفبركة على الرأي العام في عصر الدبلوماسية الرقمية
أصبح للأخبار الكاذبة تأثير متزايد في تشكيل الرأي العام، وهو ما انعكس مباشرة على العلاقات الدولية وممارسات الدبلوماسية الرقمية. فمع اعتماد الأفراد على المنصات الرقمية كمصدرٍ رئيس للمعلومات، ظهرت حملات التضليل كوسيلةٍ فعالة لتوجيه الرأي العام والتأثير في السياسات الدولية. وتلجأ الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية إلى استغلال هذه المنصات لإعادة صياغة التصورات، تقويض الثقة بالمؤسسات الديموقراطية، والطعن في شرعية الخطاب الدبلوماسي الرسمي26.
تشير الدراسات إلى أن التضليل الإعلامي في العصر الرقمي يتميز بالسرعة والانتشار الواسع، إضافة إلى الاعتماد على خوارزميات التخصيص التي تضخم الرسائل المضللة. ويبين Lazer أن الأخبار الكاذبة تتفوق على الأخبار الصحيحة من حيث قدرتها على الانتشار الفيروسي27. كما يوضح أن التضليل في بيئة الدبلوماسية الرقمية يستخدم كأداةٍ لزرع الشك وزيادة الاستقطاب داخل المجتمعات. فنظرية تحديد الأجندة تبين كيف تعطي وسائل الإعلام المضللة الأولوية لبعض القضايا على حساب أخرى، أما نظرية التأطير فتفسر كيف يعيد التضليل صياغة المعاني وسياق الأحداث. في حين توضح دوامة الصمت أن الأفراد قد يمتنعون عن التعبير عن آرائهم إذا شعروا أنها مخالفة للسردية السائدة، كما أن نظرية القوة الناعمة توضح كيف تستخدم الدول السرديات الإعلامية سواء أكانت دقيقة أم مضللة لتعزيز نفوذها الدبلوماسي. يتضح هذا التأثير في حالتَين بارزتَين: الانتخابات الرئاسية الأميركية 2016، حيث أظهرت دراسات أن جهات خارجية استخدمت الأخبار المضللة لتقويض ثقة الناخبين بالمؤسسات الديموقراطية وجائحة كوفيد-19، حيث أدى ما سمي بـوباء المعلومات إلى تضارب الروايات حول منشأ الفيروس، ما أثر سلبًا على التعاون الدولي28. تشير هذه الحالات إلى أن الأخبار الكاذبة لا تكتفي بتغيير اتجاهات الرأي العام، بل تضعف مصداقية الفاعلين الدوليين أيضًا، وتحول السرديات المحلية إلى قضايا نزاع دولية. ويمثل ذلك تحديًا معقدًا للحكومات والمنظمات الدولية التي تجد نفسها في سباق مستمر بين الحقيقة والمعلومات المضللة.
3. حوادث واقعية تظهر كيف تعيد الأخبار المفبركة تشكيل الرأي العام في العصر الرقمي
في السنوات الأخيرة، تكاثرت حوادث واقعية تظهر كيف تعيد الأخبار المزيفة تشكيل الرأي العام وتدفعه إلى خيارات وسلوكيات ملموسة أحيانًا خطيرة، فخلال الانتخابات الأميركية من العام 2016 مثلًا، تبين أن القصص المختلَقة المؤيدة لترامب حصدت قرابة 30 مليون مشاركة على فيسبوك مقابل نحو 7.6 ملايين للقصص المؤيدة لكلينتون29، وأن أكثر من نصف من تذكروا عناوين زائفة صدقوها لحظة رؤيتها؛ وهذه كثافة تَعرض كافية للتأثير بالرأي العام بما هو صحيح أو شائع ولو لدى شرائح صغيرة ولكن مؤثرة. بعد أسابيع فقط، تجسد أثر التصديق المؤامراتي في حادثة Pizza Gate: رجل مسلح اقتحم مطعمًا في واشنطن بحثًا عن شبكة اتجار بأطفالٍ ولدت بالكامل من إشاعات على الإنترنت؛ لم يصَب أحد، لكن القصة أرَت كيف تنتقل الخرافة من شاشة الهاتف إلى الفعل30. خارج الولايات المتحدة، قدمت الهند مثالًا قاسيًا على ديناميكيات الإشاعة حين انتشرت عامَي 2017–2018 شائعات اختطاف عبر واتساب، وارتبطت بحسب توثيقات صحفية وبحثية بعشرات الهجمات التي أودت بحياة 33 شخصًا على الأقل، ما يكشف كيف تراكم الرسائل المتكررة إحساسًا زائفًا بـالخطر القريب يحرك العنف الوقائي. وفي البرازيل من العام 2018، رصدت تحليلات لمجموعات واتساب العامة أن نحو 39 % من الرسائل المتداولة احتوت على ادعاءات ثبت الخطأ فيها، وأن الرسائل الزائفة انتشرت على نطاق أوسع في بيئة مشحونة بالتحشيد الانتخابي والهوية السياسية. ومع جائحة كوفيد-19، ظهرت حلقة جديدة بين الاعتقاد والسلوك: في المملكة المتحدة، حرضت رواية كاذبة تربط 5G بالفيروس على موجة اعتداءات وحرق لأبراج الاتصالات خلال آذار 2020 (نحو 90 برجًا)، بينما أظهرت استطلاعات Ofcom أن أقلية معينة هي كتلة كافية لإنتاج أثر جماعي عندما تتصل بدعواتٍ تحريضية. وتظهر خرائط المخاطر العالمية أن الأخبار المفبركة تصنف ضمن أعلى المخاطر الوطنية في عدة بلدان من الهند إلى الولايات المتحدة ما يَشي بأن المشكلة أصبحت بُنية اتصالـية تعيد توزيع الثقة والمعنى والقرار من أجل التأثير في الرأي العام وتوجيهه.

الخلاصة
إن التطور التكنولوجي في مجالات الاتصالات والتواصل حول العالم جعل من الكرة الأرضية قرية كونية واحدة، فقد أدى هذا التطور إلى تدفق هائل للمعلومات وإمكانية نشرها وتوزيعها على الجماهير. ما يؤثر في الرأي العام بمختلف أنواعه ويقوم بتوجيهه باتجاهاتٍ محددة ومخططة في كثير من الأحيان، وفق أجندات وسياسات محضرة مسبقًا للوصول إلى هدف محدد على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو العسكري. هذا التدفق من المعلومات الدقيقة وغير الدقيقة جعل من الرأي العام عرضة للتأثيرات الناجمة عن الأخبار المفبرَكة، التي تسعى إلى حَرفِه عن وجهته الحقيقية من أجل تحقيق مآرب شخصي1ة أو سياسية، سواء أكانت اقتصادية أم مالية أم سلطوية أم شعبوية، بعيدًا عن الموضوعية العلمية التي يجب أن تكون الصفة الأساسية لعملية تناقل الأخبار والمعلومات.
اختلفت التعريفات حول ماهية الأخبار المفبرَكة، لكنها حددت بشكلٍ جوهري أنها تلك الأخبار التي تسعى بشكلٍ أساسي إلى تضليل القراء وخداعهم واستغلال ثقة الجمهور، من أجل تحقيق مكاسب معينة بعيدًا عن الأداء المهني والمصداقية. كما تتعدد أشكالها ومصادرها بالأخص مع الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي وتغلغلها في المجتمعات كافة.
إن الرأي العام هو الهدف الأساسي للأخبار المفبرَكة، فهو ذلك الرأي الذي يتشكل عند شريحة كبيرة من المجتمع الداخلي أو الإقليمي أو العالمي تجاه قضية محددة، وهو يختلف بين دولة وأخرى وبين منطقة وأخرى، تبعًا للأنظمة السياسية السائدة أو الأعراف والتقاليد الاجتماعية والثقافية المنتشرة، ويتميز بالقابلية الكبيرة للتغير والتأثر بالمنتجات الإعلامية. وقد أظهرت التجارب المعاصرة في قضايا دولية مهمة قدرة الأخبار المفبرَكة على توجيه الرأي العام والتأثير في سياسات الدول الكبرى، بحيث أدت إلى وقوع أزمات سياسية على الصعيد العالمي. ولا يمكن التسليم بأن هذه الأخبار المفبرَكة بريئة دائمًا من وجود مخططات محضرة مسبقًا في إطار العمليات النفسية، وبهدف التأثير في بنية البيئة الداخلية للدولة الخصم، وبالتالي انعكاس ذلك بشكلٍ تلقائي على قدرات القوات المسلحة للحد من فاعليتها وإمكانياتها المعنوية والعسكرية. لذا تنبهت الجيوش إلى أهمية المحافظة على أبرز نقاط القوة لديها في مواجهة الأخطار، وهي الدعم المطلق من جانب الشعب والثقة المطلقة بأدائها على مسافة واحدة من الجميع.
المصادر والمراجع
باللغة العربية
١. عبد القادر حاتم، محمد، الرأي العام كيف يقاس وكيف يساس وكيف يتنبأ وكيف يتطور، الطبعة الأولى، القاهرة، 1972.
٢. التهامي، مختار، الرأي العام والحرب النفسية، دار المعارف، الطبعة الثانية، القاهرة، 1972.
٣. زلطة، عبد الله، الرأي العام والإعلام، دار الفكر العربي، القاهرة، 2002.
٤. طلعت، شاهيناز، الرأي العام، القاهرة، 1983.
٥. محمد حسين، سمير، الرأي العام: الأسس النظرية والجوانب المنهجية، عالم الكتاب، الطبعة الأولى، القاهرة، 1997.
٦. بدر، حمد، الرأي العام طبيعته وتكوينه وقياسه، الدار العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1998.
٧. صالح، ظاهر، الحرب النفسية وانتصار العقول، متوافر على الموقع: https://www.aljazeera.net، الإنترنت.
٨. إبراهيم العباد، زهير، حرب الشائعات.. كيف نواجهها ونظرية الأضداد، متوافر على الموقع: http://www.alkuwaityah.com، الإنترنت.
٩. مدونة التجارة الإلكترونية، إحصائيات مواقع التواصل الاجتماعي، 23/05/2018، متوافر على الموقع: https://www.expandcart.com/ar/21383، الإنترنت.
١٠. روري سيلان-جونز، دونالد ترامب وتويتر: الرئيس في مواجهة منصته المفضلة، متوافر على الموقع: https://www.bbc.com/arabic/science-and-tech، الإنترنت.
١١. اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية، 17/02/2018، متوافر عل الموقع: https://www.bbc.com/arabic/world/43087307، الإنترنت.
١٢. فَبركة الأخبار تثير الأزمات، 18/7/2018، متوافر على الموقع: https://www.studies.aljazeera.net/ar/mediastudies، الإنترنت.
باللغة الأجنبية
1. Tomes N, Parry MS., what are the historical roots of the COVID-19 infodemic? Lessons from the past, Health Evidence Network, Synthesis Report, No.77.
2. Habermas, J. (1989). The structural transformation of the public sphere: An inquiry into a category of bourgeois society (T. Burger, Trans.). MIT Press.
3. Entman, R. M. (1993). Framing: Toward clarification of a fractured paradigm.Journal of Communication.
4. Benkler, Y. (2006). The wealth of networks: How social production transforms markets and freedom. Yale University Press.
5. Seib, M. (2020) Crisis diplomacy in the age of social media. Palgrave Macmillan.
6. El-Masri, H. (2022) The digital dark age: Fake news and international relations.Routledge.
7. Allcott, H., & Gentzkow, M. (2017). Social media and fake news in the 2016 election. Journal of Economic Perspectives.
8. Lazer, D. M. J., Baum, M. A., Benkler, Y., Berinsky, A. J., Greenhill, K. M., Menczer, F.& Zittrain, J. L. (2018). The science of fake news.
9. Noelle-Neumann, E. (1974). The spiral of silence: A theory of public opinion.Journal of Communication.
10. Allcott, H., & Gentzkow, M. (2017). Social media and fake news in the 2016 election. Journal of Economic Perspectives, https://doi.org/10.1257/jep.31.2.211.
11. Associated Press. (2025). ‘Pizzagate’ gunman sentenced. AP News.Explained: What is False Information (Fake News): www.webwise.ie/teachers. Statista. (2023). Rank of misinformation/disinformation among selected countries (World Economic Forum Global Risks Survey Summary).
Fake News and Its Role in Shaping Public Opinion
Lieutenant Colonel Hussein Mazloum
The term “fake news” covers a wide spectrum of phenomena, encompassing unintentional misinformation, information shared out of ignorance, and deliberate disinformation intentionally distorting facts and manipulating audiences, as well as satire and parody that may be misread out of context.
The impact of fake news on public opinion manifests through several pathways:
First, it undermines public trust in media and governmental institutions when truth and falsehood become intertwined, fostering either skepticism or passive acceptance of comfortable narratives instead of active truth-seeking.
Second, disinformation tactics fuel political and social polarization by reinforcing group identities.
Third, fake news directly influences people’s decisions, from electoral choices to public health behaviors.
In an era of massive social media expansion, global public opinion is no longer shaped through official media channels whose messages can be controlled; rather, it has become vulnerable to systematic manipulation through “disinformation networks” that aim to deepen polarization and erode public trust in democratic and governmental institutions.
Governments have become increasingly aware of the need to use media as a means of justifying and promoting their policies through information control, in order to influence public opinion. The relationship between power and public opinion is characterized by a mutual attempt to instrumentalize the other to achieve its goals. Power seeks to subject public opinion to its hegemony and orient it toward supporting its policies and preserving its legitimacy.
To influence public opinion, modern armies use social media platforms, among the most effective tools to highlight their achievements on military, security, developmental, and humanitarian levels, while simultaneously countering propaganda campaigns and fabricated news spread by enemies and terrorist organizations to promote their ideas and actions.
Contemporary international experiences have demonstrated the ability of fabricated news to steer public opinion and influence the policies of major powers, leading to political crises on the global stage. It is therefore difficult to assume that such fabricated content is always free from premeditated plans within the framework of psychological operations.
Les fausses nouvelles et leur impact sur l’opinion publique
Lieutenant Colonel Hussein Mazloum
Le terme « fake news » (fausses nouvelles) recouvre un large éventail de phénomènes, englobant la désinformation non intentionnelle (misinformation), diffusée par méconnaissance, la désinformation délibérée (disinformation), conçue pour altérer les faits ou orienter le public, ainsi que la satire et la parodie, susceptibles d’être mal interprétées hors de leur contexte.
L’impact des fausses nouvelles sur l’opinion publique se manifeste par plusieurs voies :
Premièrement, elles affaiblissent la confiance du public envers les institutions médiatiques et gouvernementales lorsque le vrai et le faux s’entremêlent, suscitant soit un scepticisme généralisé, soit une résignation face aux informations confortables, au détriment de la recherche de la vérité.
Deuxièmement, les tactiques de désinformation alimentent la polarisation politique et sociale en renforçant les appartenances collectives.
Troisièmement, elles influencent directement les décisions des individus, depuis les choix électoraux jusqu’aux comportements en matière de santé publique.
À l’ère de l’expansion massive des réseaux sociaux, l’opinion publique mondiale n’est plus façonnée par les canaux médiatiques officiels dont les messages peuvent être contrôlés ; elle est désormais exposée à une manipulation systématique à travers des « réseaux de désinformation » cherchant à accentuer la polarisation et à miner la confiance du public dans les institutions démocratiques et gouvernementales.
Les gouvernements ont progressivement pris conscience de la nécessité d’utiliser les médias pour justifier et promouvoir leurs politiques en contrôlant l’information afin d’influencer l’opinion publique. La relation entre le pouvoir et l’opinion publique repose sur une tentative réciproque d’exploitation : le pouvoir cherche à soumettre l’opinion publique à son hégémonie et à l’orienter vers le soutien de ses politiques et la préservation de sa légitimité.
Pour influencer l’opinion publique, les armées modernes recourent aux réseaux sociaux, considérés comme l’un des moyens les plus efficaces pour mettre en valeur leurs réalisations aux niveaux militaire, sécuritaire, développemental et humanitaire, tout en contrant les campagnes de propagande et les fausses nouvelles diffusées par l’ennemi ou par les organisations terroristes afin de promouvoir leurs idées et leurs pratiques.
Les expériences contemporaines dans plusieurs affaires internationales ont démontré la capacité des fausses nouvelles à orienter l’opinion publique et à influencer les politiques des grandes puissances, provoquant des crises politiques à l’échelle mondiale. Il serait donc naïf de considérer que ces fausses informations sont toujours dénuées de plans prémédités dans le cadre d’opérations psychologiques.












