الأمن والاقتصاد

الأمن والاقتصاد
إعداد: العميد الركن حسن أيوب
مدير التوجيه

ما من عاقل يظن أنَّ لا علاقة للأمن بالاقتصاد، نفعاً أو ضرراً، كما أن ما من عاقل قد يدخل إلى روعه أن الاقتصاد لا يتأثر بالأمن، ويرتبط به وينتمي اليه، ويستشرف صفحات الغد من خلال الحالة التي يكون فيها.
لكن الكثير من المجتمعات يشكو غلبة الإنفاق العسكري، الذي هو أحد الشروط الرئيسة في عملية إنجاز الأمن وتحقيقه، على غيره من الإنفاقات الحيوية في التنمية والتقدم ورخاء المجتمع، أو على الأقل، تأمين حاجاته الضرورية، ودعم الحق الطبيعي لأبنائه في الحياة الكريمة.
ومن المتفق عليه، أن الأمن هو إجراء عام واسع المعنى، ويشمل الكثير من الفروع: فهناك الجانب السياسي، والجانب الاجتماعي، والجانب الثقافي، والجانب البيئي، والجانب الاقتصادي أيضاً، من دون أن ننسى الجانب العسكري في أي حال، وهو لا يطبق كاملاً إلا بتطبيقها كاملة، كما أن تلك الفروع لا تكون صالحة ومفيدة إلا إذا تم الحرص على تطبيقها ناجزة متوازنة، لا نقص فيها ولا عيب على جوانبها. نقول ذلك ونحن نفرّق بشكل واضح وجلي بين تحقيق الأمن من قبل القوى الأمنية الوطنية، بمعنى تلك التي تنتمي إلى أبناء البلاد، وبين تحقيقه من قبل قوى أجنبية غريبة. والحالة الأخيرة تعرفها مجتمعات غير قليلة، سواء بطلب من حكوماتها، أو بشكل مفروض عليها وعلى الرغم من إراداتها.


في لبنان، القوى الأمنية المكوَّنة من أبناء البلاد، بجميع مناطقها وفئاتها، هي التي تحافظ على الأمن وترعاه، كما يعرف الجميع، وهي التي تتفانى في سبيله، يشاركها في ذلك مواطنوها الذين يتحملون الأعباء ويقدمون التضحيات، وهذه من السمات التي نعتز بها في كل حين. القوى الأمنية تلك، وهي تقوم بواجباتها المعروفة، إنما تفعل ذلك في سبيل الكيان المعنوي السامي الذي هو الوطن المفدّى، وفي سبيل الكيان الواقعي الغالي الذي هو المجتمع الذي تنتمي اليه. فأنّى توجهت قوة عسكرية في مهمة أمنية ما، فإنما إلى منطقة لا بد أن ينتمي إليها أحد، أو بعض أفرادها. وفي أي مكان كلفت فيه إنجاز أعمال إنمائية او إنقاذية وما إليها، فإنما يكون التنفيذ لصالح أب أو أخ أو جار أو صديق، وإذا عرفنا أن الجزء المخصص للجانب العسكري في الموازنة العامة متواضع و"على قدر الحال"، وأن العتاد الذي تعتمده القوى الأمنية في تنفيذ مهماتها، الخطير منها والعادي، قد مرّ عليه الزمن مخلّفاً فيه الأعطال التي تستدعي الصيانة الدائمة و"العناية الفائقة"، وأن الاسهامات الاجتماعية والصحية التي تؤمنها تلك القوى تزيح عن كاهل المؤسسات الأخرى عبئاً مادياً كبيراً، وأخيراً، إذا عرفنا أن القوى الأمنية هي جزء عامل في المجتمع، لا يهدأ في الليل ولا في النهار، ولا في العطلة ولا في شهر الحرّ ولا في شهر البرد، ولا في العيد ولا في أي مناسبة احتفالية، لا بل تزداد مهماتها في تلك الحالات، لعلمنا ان الكيان العسكري هو كيان عامل ومنتج، وأنه والاقتصاد حالتان تتكاملان.