نحن والقانون

الجهل في القانون ممنوع أن لا تعرف...
إعداد: د. نادر عبد العزيز شافي
محام بالإستئناف

«القانون لا يحمي المغفل»، فمن يخالفه يعاقب، حتى لو لم يكن على علم بأن الفعل الذي أقدم عليه ينطوي على مخالفة. مع ذلك ثمة استثناءات...

 

قاعدة عدم جواز التذرّع بجهل القانون
يتضمن القانون قواعد عامة يجب تطبيقها إلزاميًا على الجميع من دون أي تمييز، إلا في الحالات التي نصَّ عليها القانون؛ فالتزام تطبيق القانون ليس مسألة اختيارية أو مزاجية، بل مسألة إلزامية تتعلق بسيادة الدولة ومؤسساتها الرسمية وسموّ المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وعند صدور القانون ونشره في الجريدة الرسمية يصبح تطبيقه إلزاميًا اعتبارًا من اليوم الثامن الذي يلي نشره، ما لم يكن هناك نص مخالف (م 1 من المرسوم الإشتراعي رقم 9/1939)؛ كإعطائه مفعولًا رجعيًا أو فوريًا أو تأجيل تاريخ سريانه. ولا يحق لأي شخص التذرّع بجهل القانون أو التذرع بعدم علمه بصدوره أو بنشره، باعتبار أن نشر القانون في الجريدة الرسمية هو بمثابة إعلام للجميع بوجوده وبوجوب تطبيقه؛ فلا يجوز لأحد التهرب من دفع الضرائب مثلًا بحجة عدم علمه بقيمتها وبوجوب دفعها خلال المدة الزمنية المحدَّدة في القانون.
وقد كرَّس قانون العقوبات اللبناني قاعدة «عدم جواز التذرّع بجهل القانون»، فنصت المادة /223/ منه على أنه لا يمكن لأحد أن يحتج بجهله الشريعة الجزائية أو تأويله إياها تأويلًا مغلوطًا. واستقر الاجتهاد القضائي اللبناني على وجوب إدانة ومعاقبة مرتكب جريمة التعدي على الملكية الفكرية والأدبية والبرامج الإلكترونية، ورد تذرعه بإنتفاء علمه بأن أفعاله تشكل إعتداء على تلك الحقوق.

 

نطاق تطبيق قاعدة عدم جواز التذرّع بجهل القانون
يجب تطبيق قاعدة «عدم جواز التذرّع بجهل القانون» على:
1- جميع الأفراد: سواء أكانوا مواطنين أو أجانب متواجدين داخل أراضي الجمهورية اللبنانية، طبيعيين أو معنويين أو مؤسسات أو شركات أو منظمات أو جمعيات لبنانية أو أجنبية في لبنان. فهؤلاء ملزمون تطبيق القانون، ولا يحق لأحد منهم التذرع بعدم علمه بقواعد القانون وأحكامه. وقد وضع المشترع الجزائي جميع الأفراد على قدم المساواة، من دون تمييز بين من كان عالمًا بتجريم القانون لفعله وبين من كان جاهلًا به، وذلك استنادًا إلى قاعدة افتراض العلم بالقانون، وعدم جواز إثبات عكسها وعدم جواز التذرع بتفسير القانون تفسيرًا مخالفًا لنصوصه. ولا يفرق القانون بين أفراد متعلمين وغير متعلمين، مع الأخذ بعين الاعتبار درجة العلم عند فرض العقوبة لمنح الأسباب التخفيفية أو التشدد في العقاب. فتكون العقوبة أخف بالنسبة للجاهل أو للذي يكون في بيئة متخلّفة إجتماعيًا، وتكون أشد بالنسبة للمتعلم والمثقّف، خصوصًا لمن يفترض به أن يكون عالمًا أكثر من غيره بمعرفة القانون؛ مثل القاضي والمحامي وكاتب العدل والأستاذ والحقوقي ورجل الأمن، وغيرهم حيث تكون مسؤوليته أكبر وعقوبته أشدّ عندما يخالف القانون.
2- السلطات الرسمية: هي ملزمة أيضًا بتطبيق القانون وعدم مخالفة أحكامه أو تفسيرها خلافًا لمضمونها بهدف تحوير السلطة أو بهدف تحقيق أهداف مخالفة لروح القانون ومقاصده، وذلك تحت طائلة إبطال أعمال هذه السلطات من قبل القضاء المختص.
3- القضاء: لا يجوز للقاضي تحت طائلة اعتباره مستنكفًا عن إحقاق الحق: أن يمتنع عن الحكم بحجة غموض النص أو انتفائه، أو أن يتأخر بغير سبب عن إصدار الحكم. وعند غموض النص، يفسّره القاضي بالمعنى الذي يحدث معه أثرًا يكون متوافقًا مع الغرض منه، ومؤمنًا التناسق بينه وبين النصوص الأخرى. أما في حال انتفاء النص فيعتمد القاضي المبادئ العامة والعرف والإنصاف (م 4 أ.م.م.).

 

إستثناءات على القاعدة
على الرغم من حرص المشترع اللبناني، كما معظم التشريعات على تطبيق قاعدة «عدم جواز التذرّع بجهل القانون»، وضع القانون اللبناني عدة استثناءات على هذه القاعدة، فنصت الفقرة الثانية من المادة /223/ عقوبات على أنه يعد مانعًا للعقاب (أي يعتبر الفعل جريمة دون إنزال العقوبة لوجود مانع من العقاب) الآتي:
1- الجهل أو الغلط الواقع على شريعة مدنية أو إدارية يتوقف عليها فرض العقوبة، وهذا يستوجب عدم توافر القصد الجرمي لدى الفاعل. وقد كرَّست المادة /206/ من قانون الموجبات والعقود جواز التذرع بالغلط القانوني الذي يعيب الرضى كالغلط العملي، ويؤدي إلى حق المطالبة بإبطال العقد. ومثال على ذلك، الإعتراف بالولد الناتج عن زواج غير قانوني إذا كان أحد الفريقين يعتقد أنه زواج صحيح، وصحة عقد العمل بين الأجير والمالك الظاهر للمؤسسة رغم أنه ليس المالك القانوني أو الفعلي لها.
2- الجهل بشريعة جديدة إذا اقترف الجرم خلال الأيام الثلاثة التي تلت نشرها، فلا عقاب بحق من يقترف فعلاً أصبح معاقبًا عليه بموجب قانون جرى نشره خلال ثلاثة أيام على ارتكابه، ولا يُعتد بتاريخ تحقّق النتيجة الجرمية أو آثار الجريمة التي قد تمتدّ الى ما بعد تلك الفترة. وهذا يستوجب إثبات عدم العلم بصدور القانون عند ارتكاب الجرم؛ مثال على ذلك صدور قانون يُجرّم التعامل بعملة نقدية معينة، فلا يُعاقب من يقوم بتحويل مبلغ من المال بتلك العملة خلال ثلاثة أيام على تاريخ نشر هذا القانون، حتى لو استغرقت إجراءات التحويل أكثر من ثلاثة أيام، شرط ثبوت عدم علمه بصدور القانون المذكور.
3- جهل الأجنبي بتجريم فعل لا تعاقب عليه شرائع بلاده أو شرائع البلاد التي كان مقيمًا فيها، وهذا يستوجب توافر عدة شروط مجتمعة، هي: أن يكون مرتكب الجريمة من جنسية أجنبية، وأن يكون قد ارتكبها خلال ثلاثة أيام من تاريخ قدومه إلى لبنان، وأن لا تكون للجريمة علاقة بالسيادة والنظام العام والآداب العامة، وأن لا تكون موضع عقاب في شرائع بلاده أو شرائع البلاد التي كان مقيمًا فيها. مثلاً الأجنبي القادم من بلاد تسمح بتعاطي حشيشة الكيف ويقوم بتعاطيها في لبنان خلال ثلاثة أيام من قدومه إليه من دون أن يكون عالماً بأن القانون اللبناني يُعاقب على تعاطيها.
أخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن الثقافة القانونية يجب أن تكون جزءًا من المناهج التعليمية في مختلف مراحل التعليم، وجزءًا من مسؤوليات الشركات والمؤسسات حيال الموظفين والعاملين فيها، فمعرفة القانون من أبرز شروط المواطنة.


المراجع:
- تمييز جزائي، غ 5، قرار رقم 474/65، تاريخ 8/12/1965، مجلة العدل، 1968، رقم 319/ ص 449.
- مجلس عمل تحكيمي في بيروت، قرار رقم 45/68، تاريخ 16/1/1968، مجلة العدل، 1968، رقم 72، ص 99.
- مجلس عمل تحكيمي في بيروت، قرار رقم 428/67، تاريخ 28/3/1967، مجلة العدل، 1968، رقم 80، ص 113.
- المحامي أسعد أبو جودة: الجهل في القانون، المجلة الضريبية اللبنانية، بيروت، عدد 482، أيلول/تشرين أول 2011، ص 16.