السياحة البيئية في لبنان: كنز طبيعي مهدّد بالتراجع

السياحة البيئية في لبنان: كنز طبيعي مهدّد بالتراجع
إعداد: المقدم الطيار هادي جرجس

المقدمة
تُعدّ السياحة البيئية من أبرز الظواهر الحديثة التي شهدتها صناعة السياحة العالمية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أصبحت الآن تعكس توجهًا إنسانيًا واقتصاديًا جديدًا يقوم على فكرة الانسجام بين الإنسان والطبيعة بدلًا من استغلالها المفرط. بينما كانت السياحة التقليدية تركّز على الرفاهية المادية والأنشطة التجارية، ظهرت السياحة البيئية بوصفها نموذجًا مستدامًا يسعى إلى تحقيق المتعة والاكتشاف دون الإضرار بالنظم البيئية أو المجتمعات المحلية
أصبحت السياحة البيئية إحدى المكوّنات الحديثة لأدوات للقوّة الوطنية (DIME)، إذ باتت الدول توظّف مواردها الطبيعية وبُناها البيئية ضمن منظومة القدرات الاقتصادية المستدامة والقوة الناعمة، كما أنها تُعزز صورة الدولة دولياً بوصفها دولة مسؤولة بيئياً وصديقة للطبيعة، ما يرفع مكانتها في مؤشرات الاستدامة ويعزّز قدرتها على جذب الاستثمارات ومشاريع الشراكات الدولية. تُسهم السياحة البيئية في تنويع مصادر الدخل القومي، كما توفر فرص عمل جديدة للسكان المحليين خاصةً في المناطق الريفية والمحميات الطبيعية، ما يحقق التنمية المحلية والحد من الفقر. وهي تدعم الاقتصاد الأخضر وتشجع الاستثمار في المشاريع المستدامة. أما على صعيد القوة الناعمة الثقافية والدبلوماسية فهي تساهم في الترويج للصورة الوطنية الإيجابية عالميًا كدولة تهتم بالبيئة والتراث، تساعد في الحفاظ على التراث الثقافي والطبيعي المرتبط بالمناطق البيئية، ما يعزز الفخر القومي، وتشجع على التبادل الثقافي والوعي البيئي بين الشعوب.
تأتي أهمية دراسة موضوع يجمع ما بين السياحة البيئية في لبنان وتأثرها بالتدهور البيئي الحالي، من كونه يمثل تقاطعًا بين الاقتصاد والبيئة والمجتمع. فالسياحة البيئية ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي أداة للتنمية المستدامة تسهم في خلق فرص عمل جديدة، ترفع مؤشرات الاقتصاد المحلي، وتنشر الوعي البيئي بين المواطنين. إن السياحة البيئية في لبنان ليست ترفًا فكريًا أو شعارًا تجميليًا، بل هي خيار وطني واستراتيجي لإعادة التوازن بين الإنسان وبيئته، وتحويل الأزمات البيئية إلى فرص تنموية قادرة على بناء اقتصاد محلي مستدام، يعيد للبنان صورته كـ«وطن الأرز» و«جنة الشرق».

 

القسم الأول
التدهور البيئي وأثره على السياحة البيئية في لبنان

رغم ما يتميّز به لبنان من ثراء طبيعي وتنوّع بيئي نادر في منطقة الشرق الأوسط، فإنّ هذا الإرث الطبيعي أصبح اليوم في مواجهة مباشرة مع ضغوط بيئية متفاقمة تهدّد مقوماته السياحية الأساسية. فالتدهور البيئي لم يعد مجرّد ظاهرة محلية عابرة، بل تحوّل إلى عامل بنيوي مؤثر في استدامة التنمية السياحية، وخصوصًا تلك التي تعتمد على الموارد البيئية الحسّاسة كالمياه، الغابات، الشواطئ، وصولاً للهواء. لقد أسهمت مجموعة من العوامل المتداخلة - من تغيّر المناخ والتصحر وازدياد الحرائق، إلى التوسع العمراني العشوائي والتلوث البحري والبري - في إضعاف قدرة النظم البيئية اللبنانية على التجدد الذاتي، مما انعكس مباشرة على جودة التجربة السياحية البيئية، وعلى جاذبية الوجهات الطبيعية التي كانت تُعتبر يوماً ما رمزاً للجمال والتنوّع. 
إنّ دراسة العلاقة بين التدهور البيئي والسياحة البيئية في لبنان تكشف عن مفارقة جوهرية: فالمورد الطبيعي الذي يُفترض أن يكون أساس في القوة الوطنية، هو ذاته الذي يتعرّض للاستنزاف بفعل النشاط البشري غير المنظّم وضعف الحوكمة البيئية.

 

أولاًً: التلوث البيئي: بين المفهوم والواقع 
أ. المفهوم العام للبيئة

إن البيئة ترتبط وتنطلق من توازن طبيعي قائم ضمن مؤثر حياتي، موقع جغرافي وفترة زمنية محددة، وضمن معطيات نظامية – حياتية (إيكولوجية)، قدرات معرفية، وخطّة إنمائية إجتماعية إقتصادية واضحة1.
المؤثر الحياتي: يقوم نمط الحياة اليومية بوتيرة متتابعة ويسير إلى حد ما بانتظام لا تعكره سوى انحرافات ذات تأثير مباشر كأن نمرض بسبب تلوّث الهواء، أو تقل كميّات المياه المتوفرة للاستعمال، أو تنقرض الغابات التي تنقي الهواء، أو تضمحّل الثروة السمكية، أو تتدهور الأراضي الزراعية المُنتجة.
الموقع الجغرافي: تختلف الاهتمامات البيئية طبعًا من موقع إلى آخر وفق مواصفاته الطبيعية والبشرية، ويختلف معها تركيز المجتمع على مواجهة المشاكل التي تميّز تلك المواقع. ففي منطقة زراعية محض نضبط نوعية المياه وفق ما يتطلّبه القطاع الزراعي ووفق القياسات المعتمدة، وهي أقل مستوى نوعيًا من القياسات المعتمدة للمياه في مناطق سكنية أي مياه الشفة. مصبات الأنهر تؤلف نظامًا إيكولوجيًا حسّاسًا تتأثّر بكل ما في المجرى من منابعه الى مصبّه. معالجة أية مشكلة في النظام الإيكولوجي تتطلّب معالجة في كل حوض تصريف للنّهر. 
الفترة الزمنية: يمكن أن ترتبط هذه الخاصية بعدّة عوامل زمنية، فالاهتمام ببيئة الشاطئ يزداد في فصل الصيف، والتركيز على شح المياه يزداد في أشهر الجفاف، كما انتشار الأمراض التي يأتي فصليّا المعوية منها، أو الجلدية أوالتنّفسية.
النظام الايكولوجي: تختلف إيكولوجية الغابة وكيفية المحافظة عليها وتأكيد استمراريتها عن متطلبّات الحفاظ على إيكولوجية التجمّعات المائية كبحيرة القرعون أو مستنقع عمّيق. التوجه نفسه يتحكّم باختلاف إيكولوجية أعلى الجبل من سفحه، فشجر الصنوبر ينمو على ارتفاعات مختلفة جدًّا من الشاطئ إلى مناطق يزيد ارتفاعها عن ألف وخمسمئة متر بينما لا نجد شجر الأرز إلا في المناطق المرتفعة وكذلك بالنسبة لشجر اللزاب. 
القدرات المعرفية: لقد قيل أن الانسان عدو ما يجهل، وهذا ما ينطبق كليّا على الموضوع البيئي. فالمجتمع الذي يرمي نفاياته في مجرى الوادي على اعتبار أن النهر سيجرفها ويبعدها عن ذاك الموقع لا يعرف أن ما فعله سيؤدي إلى نتائج متعددة منها تلوّث المياه، كما أن طمر الزيوت والاحماض الصناعية والمبيدات الزراعية والنفايات الكيميائية من المستشفيات، يدخل في الارض ويلوث المياه الجوفية وبالتالي الينابيع وآبار المياه فتنتشر الأمراض.
الخطط الانمائية: لا تتبع الخطط الانمائية بالضرورة متطلبّات السلطة فقط، فهي متغيّرة وتتناسق بحسب الظروف والمشاكل التي تطرأ في حينه، كما وتتبع أيضًا بعض الأولويات التي يفرضها واقع حال معيّن. قد يتطلّب وقوع كارثة واقعية التركيز على تأمين المسكن بسرعة فائقة، على حساب أرض ذات خصائص جعلتها سابقًا محمية طبيعية أو تأمين الطاقة بسرعة، ما يضطر المسؤولين إلى اعتماد نوعيات أكثر تلويثًا من غيرها.

 

ب. واقع البيئة اللبنانية
أدّت موجة التّمدن السّريع والهجرة الدّاخليّة والنّمو الاقتصادي والآثار التّخريبيّة للحرب وغياب التّخطيط على صعيد إدارة النّفايات، تصريف المياه وتلويث الهواء، إلى تدهور سريع وكارثي في وضع لبنان البيئي. أدركت الحكومة اللبنانيّة أهمّية الأزمة البيئيّة في لبنان بعد الحرب فقامت بإنشاء وزارة البيئة، وعلى الرّغم من قيام هذه الوزارة برعاية مشاريع الدّراسات، واقتراح القوانين، إلّا أنّها تعاني من عدم كفاية الموارد البشريّة، والماديّة للقيام بالمهمة المصيريّة التي وُضعت لها. إذا تمعنّا بالقوانين اللبنانيّة منذ نصف قرن حتى اليوم نرى أنّ غالبيتها قد أحاطت بالعديد من المواضيع التي تتعلق بالبيئة. فمنعت تشويه الشواطئ والأملاك العامّة وتملّكها، وسرقة الآثار فالرّمال والحصى، ورمي النّفايات على الطرقات أو في الأملاك العامة والخاصة، ومنعت تصريف المياه المبتذلة سواء بوساطة الآبار الإرتوازيّة أو في الأنهار ومجاري المياه وعلى الشواطئ، لكن هذه القوانين المتجزأة والمبعثرة بقيت عمليًّا من دون تطبيق2.
يعاني لبنان في المرحلة الراهنة من تدهور بيئي متصاعد يُعدّ من أبرز التحديات البنيوية التي تواجه الدولة والمجتمع، إذ لم يعد التلوّث البيئي مسألة هامشية أو محصورة في أبعاد صحية محدودة، بل تحوّل إلى أزمة شاملة تمسّ الموارد الطبيعية، والاقتصاد الوطني، ونوعية الحياة. على الرغم من الغنى الطبيعي والتنوّع البيئي الذي يتمتع به لبنان، فإن سوء الإدارة البيئية وغياب التخطيط المستدام، إلى جانب الأزمات السياسية والاقتصادية المتراكمة، أدّت إلى تفاقم مظاهر التلوّث في مختلف عناصر البيئة، ولا سيما المياه والهواء والتربة والغطاء النباتي. يتجلّى واقع التلوّث البيئي في لبنان بشكل واضح في تدهور نوعية الموارد المائية، كما تعاني المدن اللبنانية من مستويات مرتفعة من تلوّث الهواء، الأمر الذي انعكس سلباً على صحة السكان وزاد من معدلات الأمراض التنفسية. أما تلوث التربة فيظهر بشكل أساسي من خلال انتشار المكبات العشوائية واستخدام المواد الكيميائية في الزراعة، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وتلوث السلسلة الغذائية.
انعكس التلوث البيئي في لبنان بشكل مباشر على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، حيث أدى إلى ارتفاع كلفة الرعاية الصحية، تراجع الإنتاجية الزراعية وانخفاض جاذبية البلاد للاستثمار والسياحة، ولا سيما السياحة البيئية التي تعتمد أساساً على نظافة البيئة وسلامة الموارد الطبيعية. كما أدى التلوث البيئي الى تراجع نوعية الحياة وزيادة الهجرة من المناطق المتضررة، ما عمّق الفوارق التنموية بين المناطق اللبنانية. إن معالجة التلوث البيئي في لبنان لم يعد ترفاً فكرياً أو خياراً ثانوياً، بل بات ضرورة وطنية تفرضها متطلبات الصحة العامة والتنمية المستدامة وحماية الموارد للأجيال القادمة. أخيراً بين واقع بيئي متدهور ومرتجى قابل للتحقق، يبقى الرهان على الإدارة الرشيدة، والمشاركة المجتمعية الواعية كمدخل أساسي لإعادة التوازن بين الإنسان والبيئة في لبنان.

 

ثانياً: فقدان الغطاء النباتي 
تتأثر الأرض بكافة النشاطات الاقتصادية ويعيش الناس على الأرض مولّدين نفايات صلبة وسائلة على السواء، كما وتُستعمل الأراضي للزراعة من أجل إنتاج المحاصيل وتربية الحيوانات بشكل غير مدروس وعشوائي ما يسبب تدهوراً في الغطاء النباتي. في المقابل ساهم الوضع الجغرافي المميز والمناخي الفريد للبنان بثروة نباتية وافرة وتنوع كبير (خرنوب، صنوبر، بطم، سنديان، لذاب، أرز، شوح، بلان، قصعين، زوباع، زوفة، جوز، سوسن، بنفسج، قرنفل... والكثير الكثير غيرها).
لقد أظهرت الدراسات المنشورة في الصحف والمجلات وغيرها من وسائل الإعلام المتعددة «إن الثروة النباتية، والتنوع في التجمعات النباتية، وتمايز النظم البيئية الطبيعية في لبنان عرضة لتدهور مطّرد». هذا التطور الانكفائي ذو منشأ إنساني (ناتج عن تعدي الانسان على بيئته) ومنشأ طبيعي (التبدلات المناخية والاحيائية على الصعيد العالمي بسبب ثقب الاوزون، الاحتباس الحراري، والجفاف الزاحف من قلب الصحراء العربية القريبة...). 
من أهم مظاهر انكفاء الغطاء النباتي العام في لبنان ظاهرة التصحر إضافة إلى انجراف التربة، جفاف الينابيع، والأمراض المتزايدة في الثروة الحرجية الباقية (دودة الصندال للصنوبريات، أو غيرها من الديدان الراتعة في غابات الارز)؛ الانسان في لبنان يزداد إمعانًا في التعدي على البيئة العامة والغطاء النباتي بصورة خاصة من خلال ممارسات جائرة كالحرائق المفتعلة والرعي الجائر والقطع غير المنظم.

 

أ. التصحر
هو تردي الأراضي وتدهورها نتيجة عوامل مختلفة أهمها الأنشطة البشرية والاختلافات المناخية. هذا التعريف وضع في مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية الذي انعقد في الريو دي جانيرو عام 1992، سيّما إذا ترافق بفترات جافة طويلة نسبيًا. إن سوء استغلال الغطاء النباتي في مناطق الغابات الطبيعية والمراعي يؤدي مع مرور الزمن، إلى تعرية التربة وتعريضها للانجراف (المائي والريحي). 
هذا ما تعرضت له الأراضي اللبنانية خلال الشتاء القاسي في الأعوام 2003، 2008، 2015، 2018، 2021 حيث حصلت انزلاقات في التربة في كافة ارجاء لبنان، بسبب إشباع التربة بالمياه، عدم وجود جذور تساعد على تماسكها، ووفرة الانسياب المائي السطحي. لا شك في أن ما أفرزته الأحداث التي عصفت بلبنان على مدى ما يقارب العقدين من الزمن، قد تجلى بتوسع عمراني عشوائي، وبمعظمه مخالف للقوانين والانظمة فقلب ذلك موازين التنظيم المدني، الأمر الذي أدّى الى اتساع كتل الاسمنت على حساب الأراضي الطبيعية وبالتالي انحسار المساحات الخضراء في لبنان3
يؤدي التدهور البيئي العام إلى نتائج فائقة الضرر، بحيث تنجرف التربة تباعًا بصورة تامة حتى ظهور الصخرة الأم القاسية على السطح، فنصل لنقطة اللاعودة في استعادة بنية الأرض وبالتالي استغلالها زراعيًا ورعويًا، إذ نكون حينها قد وصلنا إلى التصحر التام. وبالتالي تكون المنطقة قد خرجت نهائيًا من دائرة الإستثمار الريفي وتحولت إلى أراضي جرداء، فتُستغل حينها كمقالع للحجارة، وهذا الأمر هو حقيقة حاصلة في أكثر من منطقة في السلسلة الشرقية لجبال لبنان4

 

ب. قطع الاشجار والرعي الجائر
يدخل قطع الأشجار والرعي الجائر ضمن بند التعدي على الثروات الطبيعية إذ إن القاعدة العلمية تقول إن أهم وسيلة لحماية الأنواع الحيوانية والنباتية (المهددة بالانقراض) هي حماية الموائل. للأسف الشديد فإن قطع الأشجار الحرجية في لبنان، أمر شائع وخال من الدراسة والتنظيم، ويتم في أغلب الأحيان بهدف جمع الحطب أو صنع الفحم. وقد أدت ممارسات الحطابين الجائرة إلى تفتت الأحراج والغابات، الأمر الذي أنتج خلل في التوازن البيئي وعليه انقرضت أنواع معروفة وأخرى ربما غير معروفة من الحيوان والنبات، إضافة لدفع الحيوانات الباقية إلى هجرة نهائية عن لبنان. 
أما الرعي الجائر فقد فعل فعله كالتحطيب وألحقت الماشية (الماعز تحديدًا) الأذى بالأشجار التي انتزعت لحاءها، وبالشجيرات الصغيرة التي تنمو طبيعيًا في الغابات لتحل مكان الأشجار المسنة الآيلة إلى السقوط كما أنها وطأت النبت الصغير بحوافرها فقضت عليه في أول طلوعه. لعل أبلغ مثال وجود سبعة عشر نوعًا من الطيور الجارحة المعششة في النصف الأول من القرن العشرين، هجرت كلها مع تفتت الموائل وبالتحديد أبّان الأحداث الأخيرة التي اجتاحت لبنان. بانتهاءها ومع حظر الصيد، عاد إلى لبنان نوعان من العقاب ونوع من العقيب لتعشش على أراضيه (كلها ترتبط بالبيئة الصخرية وليس الحرجية) أما الأنواع الأربعة عشر الباقية من نسور، عقبان، بزاة، صقور ألخ... فلم تتمكن من العودة إلى لبنان بسبب تفتت وتدهور موائلها الطبيعية5.

 

ج. الحرائق
الحرائق في لبنان ليست مشكلة من مشاكل التنوع الاحيائي بل مجزرة بحقه، إذ تمحو النوع والحرج والغابة وتقضي بساعات على ما نسجته الطبيعة خلال أجيال عدة. الحرائق مصادرها عديدة أولها الإهمال وآخرها الافتعال المقصود، فالأقذار المُرماة داخل تخوم الغابات والأحراج، تتسبب غالبًا باشتعال النار بانعكاس اشعة الشمس الحادة في فصل الصيف على زجاجة فارغة أومرآة مكسورة، كما والسجائر المرمية دون إطفاء أو حفلات الشواء في أحضان الطبيعة دون الانتباه إلى شرارات بسيطة تحمل في طياتها مشروع حريق ضخم.  لبنان الصغير بمساحته المشهور بغابات أرزه تضاءلت مساحته الخضراء من 20% عام 1975 عند بداية الأحداث إلى 7% حاليًا في القرن الواحد والعشرين6.

 

د. التلوث الكيمائي
أكثر ما يتضّح تأثير التلوث الكيمائي في الغابات والأراضي الخضراء المحيطة بهذا التلوث (خاصة قرب معامل الاسمنت ومصانع الصلب أو المعامل الحرارية لتوليد الطاقة الكهربائية) إذ يصبح التنوع الحيواني هناك شبه معدوم. وهذا ما تؤكده المشاهدات الحقلية لكل مستطلع فتلوث الاجواء بالكبريتات واوكسيد الأزوت وغيرها من الملوثات الكيمائية قد ألحق الضرر بالموائل النباتية والمائية على السواء، إما مباشرة أو بفعل الأمطار الحمضية، فأخلَّ بالتوازن البيئي للأراضي الرطبة والمياه الغير عميقة فقتل الحشرات والقوارض والطيور وبعض أنواع السمك. يتجلى التلوث الكيمائي بما تفرزه المصانع من معادن ثقيلة ومواد سامة تؤثّر سلبيًا في الأرض والمياه والشاطئ. ان انتشار الحشرات والقوارض الضارة اقتصاديًا هو نتيجة منطقية ودلالة طبيعية على غياب أعدائهم الطبيعيين من ضفادع وزواحف وطيور وحيوانات، ما يؤكد التناقص المتزايد والمستمر في أنواع وأعداد الحيوانات البرية من خلال التناقص الواقع لمساحاتنا الخضراء.
استناداً لكل ما سبق يمكن تلخيص أثر تدهور الغطاء النباتي على السياحة البيئية بالتالي: 
1. تدهور المناظر الطبيعية: يُفقد الغطاء النباتي جمال الطبيعة، وهو ما يشكل عامل جذب رئيسي للسياحة البيئية، مثل جمال الغابات الكثيفة والأراضي الخضراء النقية.
2. زيادة التصحر وتآكل التربة: يؤدي اختفاء النباتات إلى تآكل التربة بفعل الرياح والأمطار، مما يفاقم التصحر ويدمر الأراضي الصالحة للسياحة والاستخدام.
3. تغيير المناخ المحلي: تؤثر إزالة الغابات على المناخ المحلي، حيث تزيد من درجات الحرارة والرطوبة في المناطق الخالية من الأشجار، ما يقلل من جاذبيتها السياحية.
4. فقدان التنوع البيولوجي: تمثل الغابات موطنًا أساسيًا للعديد من الكائنات الحية، يؤدي اختفاؤها إلى انقراض الأنواع وتدهور النظم البيئية، ما يقلل من فرص مشاهدة الحياة البرية والتنوع البيولوجي الذي يُعد أساس السياحة البيئية.
المشهد الطبيعي الأخضر هو «العلامة البصرية» الأولى التي تميّز لبنان عن غيره من بلدان المنطقة. ومن هنا، فإن الحفاظ على الغطاء النباتي يُشكّل شرطًا أساسيًا لاستدامة السياحة البيئية وضمان استمرارية مواردها الطبيعية والاقتصادية في المستقبل.

 

ثالثاً: تلوث المياه يتفاقم
يُعدّ لبنان من الدول التي حباها الله ثروة مائية نادرة في منطقةٍ تتّسم بندرة الموارد، إذ تتنوّع فيه الأنهار والينابيع والبحيرات الساحلية والجبلية، لتشكّل ركيزة أساسية في منظومته البيئية والسياحية على حدّ سواء. غير أنّ هذه النعمة الطبيعية تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مصدر قلقٍ بيئيّ متصاعد، مع تفاقم مظاهر تلوّث المياه السطحية والجوفية الناتجة عن سوء إدارة الموارد، وتصريف النفايات ومياه الصرف الصحي، والتعدّيات العمرانية غير المنظّمة.
لقد أظهرت دراسات حديثة أن مستويات التلوث البكتيري والكيميائي في بعض الأنهر والينابيع اللبنانية تجاوزت المعايير الوطنية والدولية، ما يهدّد النظام البيئي المائي ويقوّض أحد أهم ركائز السياحة البيئية في البلاد، تلك التي تعتمد على نقاء الموارد الطبيعية وجمال المناظر النهرية والساحلية. ومع تراجع جودة المياه في مناطق سياحية بارزة مثل نهر الليطاني ونهر إبراهيم والبحيرات الجبلية، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على انحسار النشاط السياحي البيئي وفقد لبنان تدريجيًا صورته العالمية كوجهة خضراء نظيفة7. من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى مقاربة علمية وإدارية متكاملة لمعالجة التلوث المائي المستجد، بما يضمن حماية الموارد الطبيعية، وصون التنوع الإيكولوجي، والحفاظ على مكانة لبنان كموطن للسياحة البيئية المستدامة في الشرق الأوسط. لتسليط الضوء أكثر على تدهور المياه في لبنان لا بد من الوقوف عند النقاط التالية:

 

أ. نوعية المياه
في تشرين الثاني 1999 أجرى مركز الموارد المائية التابع للجامعة الاميركية دراسة حول تأثير رمي النفايات على نوعية المياه وذلك في 9 أنهر أساسية، وأشارت النتائج للعينات ولنماذج الترسبات التي خضعت للاختبار إلى وجود تركيز مرتفع للأكسيجين الحيوي إضافة إلى البكتيرية الكولونية البرازية. إن هذه النتائج ناتجة عن المجارير المنزلية الغير معالجة والتي يقيمها المواطنون في جور صحية قرب منازلهم خاصة في الريف اللبناني حيث تترسب في الاحواض المائية بعامل الزمن إلى الينابيع الجوفية والمجاري الباطنية.
يتلقى البحر مياه سطحية ملوثة من مصبات الأنهر ناتجة عن المصانع والمنازل إضافة إلى إفراغات الزراعة الساحلية ، كذلك نفايات منجرفة من مكبات موجودة في أودية قريبة إلى البحر ناهيك بالإفراغ الدوري أو المتعمد لزيوت السفن. حاليًا يوجد حوالي 53 قسطل مياه مبتذلة موزع على طول الساحل اللبناني. ما يزيد في قذارة هذا الساحل مخلفات المنتجعات البحرية التي لا تحصى بالاضافة لمشاريع الردم والاستصلاح العمراني والمرافق البحرية.
هذا التراجع في جودة المياه انعكس سلبًا على جاذبية المواقع السياحية البيئية، ولا سيما تلك التي تعتمد على الأنشطة المائية مثل السباحة، التجديف، التنزّه النهري، وزيارة المحميات ذات الموارد المائية الحسّاسة. فالمواقع التي كانت تُعدّ رموزًا للنقاء والجمال الطبيعي، أصبحت في بعض فترات السنة غير صالحة للزيارة أو تعاني من تراجع الإقبال السياحي. ساهمت الأزمة البيئية في تدهور التنوع الإيكولوجي المائي، وهو عنصر أساسي في جاذبية السياحة البيئية8.

 

ب- التلوث الناجم عن الكيمائيات الزراعية
عام 2009 أجرى مركز الموارد المائية التابع للجامعة الأميركية تقييماً آخر لنوعية المياه الجوفية في لبنان، وهذه المرة، عبر ثلاث عيٍّنات مياه جوفية أُخذت من 13 منطقة مختلفة. أظهرت التحاليل أن مركّزات النيترات كانت مرتفعة في الآبار التي أُخذت منها العينات، خاصة على طول الساحل اللبناني. حيث تراوحت الأرقام بين 3 ملغ / ليتر في نيحا إلى 29،5 ملغ/ ليتر في الشويفات. والمعدل العام بلغ بحدود 20 ملغ/ ليتر. والمعلوم أن مركّزات النترات لا تحصل بشكل طبيعي، بل إنّ سببها المباشر هو الإنسان. نسبة الحدية، كما اعتمدتها منظمة الصحة العالمية، إضافة إلى الوكالة الأميركية للتنمية، وأيضا وزارة الصحة في لبنان، تتفاوت بين 10 - 15 ملغ / ليتر.
على المدى البعيد، يشكّل هذا التلوث خطرًا مزدوجًا: فهو يهدد الأمن المائي للسكان والمجتمعات المحلية، ويقوّض في الوقت نفسه إمكانات التنمية السياحية المستدامة. لذا، تبرز ضرورة اعتماد سياسات بيئية وزراعية متكاملة تقوم على تقنين استخدام الكيميائيات الزراعية، تشجيع الزراعة العضوية، مراقبة جودة المياه بشكل دوري، لضمان استعادة نقاء الموارد المائية وحماية السياحة البيئية كأحد روافد الاقتصاد الأخضر في لبنان(9).

ج. تسرب مياه البحر الى المياه الجوفية
يؤدي الضخ العشوائي للمياه إلى ازدياد مركزات الكلوريد في المياه الجوفية. وتشير الدراسات إلى أن الضخ المتزايد لمياه لبنان الجوفية وصل إلى معدل أعلى من مستوى تجددها في الارض، ما سيؤدي حتمًا إلى تعدين المياه الجوفية في مراحل لاحقة. أظهرت حملة المسح للمياه الجوفية، التي أجرتها الجامعة الاميركية عام 2011، إن مركزات الكلوريد بشكل عام (250 ملغ/ليتر) أعلى من النسب المسموح بها من قبل منطمة الصحة العالمية (200 ملغ/ليتر).
تفاقمت المشكلة بشكل كبير خلال العقد الماضي نتيجة توسع نطاق التجمعات السكنية الساحلية، تزايد هجرة الريف إلى المدينة، نمو السكان المتزايد، العودة المحدودة جدًا للنازحين والمهجرين، فأدّت هذه العوامل إلى ازدياد الطلب على المياه، خاصةً على طول الساحل وفي العاصمة وحولها، وقد توحدت لتزيد العبء على ما تؤمّنه المياه الجوفية، سيما بغياب التطبيق الصارم لمعايير الحفر، ومعدلات الاستخراج المفترض السماح بها. إن انخفاض جودة المياه الجوفية يعني أن الفنادق، المنتجعات، ومحطات التنزّه الطبيعية ستواجه مشاكل في إمداد المياه الصالحة للشرب أو الاستخدامات اليومية. 
يستلزم ذلك استثمار أكبر في معالجة المياه أو شراء موارد بديلة، ما يزيد من تكاليف التشغيل للمرافق السياحة. عند تلوث المياه الجوفية، تتلوّث أو تختفي الموارد المائية الطبيعية، ما يقلّل من قدرة الزوار على الانخراط في أنشطة مثل التنزّه المائي، مراقبة الحياة البرية المائية، أو الاسترخاء في بيئة ماء نقية.

 

د. التلوث الناتج عن المجارير
تعيش حوالي 2.3 مليون نسمة في المنطقة الساحلية اللبنانية. ينتج هذا العدد من السكان حوالي 950 ألف م3 من المياه المبتذلة يوميًا. ويطلق معظمها في البحر أو إليه عبر مجاري الأنهر والأودية. ومن أصل 10 مناطق ساحلية، راقبها مركز علوم البحار، اعتبرت محطة واحدة (البترون) صالحة للسباحة ذلك أنّ المناطق التسعة الأخرى تتخطى معايير منظمة الصحة العالمية المتعلقة بوجود الأشكال البرازية في المياه المستخدمة في الترفيه10.

 

رابعاً: تلوث الهواء في لبنان يضاعف الأثر السلبي
لبنان المشتهر بهوائه العليل حيث يقصده المرضى من كافة أقطار الدول العربية للتمتع بهوائه العابق بروائح الأرز والصنوبر والسنديان بات الآن في قائمة الدول المصنفة بالأكثر تلوثًا في العالم والاسباب عديدة ومحقة. 
يُعدّ تلوث الهواء أحد أخطر مظاهر التدهور البيئي في لبنان، إذ تجاوزت تركيزات الجسيمات الدقيقة ( PM10 وPM2.5) في العديد من المناطق الحدود المسموح بها وفق معايير منظمة الصحة العالمية، ولا سيما في بيروت وجبل لبنان والبقاع. هذه الجسيمات الناتجة عن انبعاثات السيارات القديمة، المولدات الكهربائية الخاصة، الأنشطة الصناعية، وحرائق النفايات، لا تقتصر آثارها على الصحة العامة، بل تمتد لتقوّض الركيزة الجمالية والبيئية التي تقوم عليها السياحة البيئية في البلاد. لبنان بلد غير صناعي (أغلبية صناعاته تحويلية) ما خلا معامل شكا وسلعاتا في الشمال وسبلين في الجنوب فالتلوث المتزايد يتأتى بأغلبه من محطات توليد الطاقة (حولي ال40%) والتلوث المتنقل11.


يؤثر تلوث الهواء على الأنظمة البيئية الدقيقة التي تجذب السياح: فترسّب الملوثات الغازية مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين على الغطاء النباتي يؤدي إلى اصفرار الأوراق وتراجع الغطاء الأخضر، فيضعف المشهد البصري الطبيعي ويؤثر على التنوع الحيوي الذي يُعد أهم ركائز الجذب البيئي في لبنان. يتفاعل الجو باستمرار مع التربة والمياه ويلعب دورًا مهمًا في دورات المياه والكربون، ويشكل مصدر الاوكسيجين الاساسي للكائنات الحيّة. 
يتلقى الهواء العديد من ملوثات المصانع والمحارق وعوادم السيّارات إضافة للنشاطات البشرية التي تبعث ملوثات سامة متعددة منها مواد مستنفذة للأوزون والغازات الدفيئة. تعتبر بعض المدن الكبرى ومعامل الطاقة  المنتشرة في بعض المناطق اللبنانية، مراكز تلوث الهواء الأساسية.

 

أ. الغازات الدفيئة
تُحصر انبعاثات الغازات الدفيئة بسبعة أنواع أساسية، تعمل كطبقة رقيقة تحبس حرارة الشمس في الجو ما يؤدي إلى ارتفاع معدل الحرارة. هذه العملية تؤثر سلبًا على البيئة إذ تؤدي الى الفيضانات في المناطق الساحلية والتّصحر كلما اتجهنا نحو الداخل، ولبنان عرضة بشكل خاص كونه يتاخم مناطق قاحلة، كلما اتجهنا نحو الشرق. وتتمركز ثلثي نشاطاته الاقتصادية في أرض ضيّقة ساحلية12.

 

ب. محارق النفايات
تطلق محارق النفايات كميات كبيرة من الملوّثات الهوائية مثل ثاني أكسيد الكبريت (SO2)، أكاسيد النيتروجين (NOx)، أول أكسيد الكربون، لكن الأخطر هو انبعاث الدايوكسينات والفورانات (Dioxins & Furans) وهي مركّبات سامة جدًا تنتج عن حرق البلاستيك والمركّبات الكلورينية، هذه المواد مسرطنة، وتتراكم في السلسلة الغذائية. تشير دراسة صادرة عن الجامعة الأميركية في بيروت (2015 ) إلى أن مستويات الجسيمات الدقيقة الناتجة عن الحرق العشوائي للنفايات في ضواحي بيروت تجاوزت الحدود التي توصي بها منظمة الصحة العالمية بأكثر من 10 أضعاف، ما يزيد من معدلات الأمراض التنفسية والسرطانية بين السكان.
من الممكن أن يسهم فرز النفايات في تقليص حجم النفايات المرسلة إلى المطامر أو المكبّات العشوائية، ما يحدّ من انبعاث الغازات الدفيئة مثل الميثان، ويمنع تسرب العصارة السامة إلى المياه الجوفية والتربة، وبالتالي إلى المحارق ما يساعد في الحفاظ على نقاء الهواء من خلال تقليل عمليات الحرق العشوائي التي تلوث الجو وتضر بالنظم البيئية.

 

ج. التلوث الناتج من مراكز إنتاج الطاقة
ثمة معامل تنتج الكهرباء بالطاقة المائية وأخرى تستهلك الفيول أويل (الذوق، الجية والحريشة)، إضافة إلى معامل للطاقة تعتمد على المازوت (صور، الزهراني، دير عمار وبعلبك).
يجب الانتباه أن قطاع الطاقة لوحده مسؤول عن انبعاث ما يقارب 70% من إجمالي الغازات الدفيئة في لبنان13.

يُشكّل الهواء النقي أحد المقومات الأساسية للسياحة البيئية، إذ يُعبّر عن «نقاء المكان» وصحّة النظام البيئي فيه. في لبنان، حيث تتنوّع المناطق الجبلية والساحلية التي تجذب عشّاق الطبيعة، يُعتبر تلوّث الهواء من أخطر العوامل التي تُهدّد هذا القطاع، لما له من آثار مباشرة وغير مباشرة على البيئة، وصورة لبنان كوجهة طبيعية وصحية. ينتقل التلوث الهوائي الناتج عن المدن الساحلية إلى المناطق الداخلية والجبلية بفعل الرياح، ما يؤثر على نقاء الهواء في الوجهات السياحية البيئية ويقلّل من جاذبيتها للزوّار. كما ويؤدي تراكم الغازات الملوِّثة إلى زيادة الحموضة في التربة والمياه، ما يُضعف نمو النباتات الحسّاسة ويؤثر على النظم البيئية في الغابات والوديان، فتفقد هذه المناطق قدرتها على احتضان أنواع نباتية وحيوانية نادرة تشكّل أساس السياحة البيئية. أخيراً يسبب الهواء الملوث أمراضاً تنفّسية للسكّان والسياح على حد سواء، ويؤدي إلى نفور الزوّار من الأنشطة البيئية المفتوحة كالتنزه، التخييم، مراقبة الطيور، وبالتالي تتراجع قيمة السياحة الصحية والطبيعية في لبنان، التي كانت إحدى نقاط قوّته التقليدية.

 

القسم الثاني
السياحة البيئية في لبنان - المفهوم والواقع الراهن

يتميّز لبنان بموقعه الجغرافي الفريد على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وهو موقع جعل منه منذ القدم حلقة وصل بين الشرق والغرب وملتقى للحضارات والثقافات. غير أنّ أهم ما يميّزه من منظور بيئي وسياحي هو تنوعه الطبيعي الفريد الذي لا يضاهيه بلد آخر في المنطقة قياسًا إلى مساحته الصغيرة التي لا تتجاوز 10،452 كيلومترًا مربعًا. يحتوي لبنان على تضاريس متناقضة ومتكاملة في آن واحد، إذ تمتد من السواحل البحرية إلى الجبال الشاهقة التي يتجاوز ارتفاعها 3000 متر فوق سطح البحر، مرورًا بالوديان الخضراء والسهول الخصبة والأنهار والينابيع. هذا التنوع الجغرافي يمنح السائح تجربة متكاملة يمكن أن يعيش فيها الفصول الأربعة في يوم واحد: فيمكنه التزلج على ثلوج فاريا أو الأرز صباحًا، والسباحة على شواطئ صور أو جونية بعد الظهر. 

 

أولاًً: مفهوم السياحة البيئية وأهميتها في التنمية المستدامة
إِنَّ مُصطلح السياحة البيئيَّة ECO-TOURISM،14 ظهر منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، وهو مُصطلحٌ حديثٌ نسبياً، جاء ليُعبِّر عن نوعٍ جديدٍ من النشاط السياحيّ الصديق للبيئة الذي يمارسه الإِنسان محافظاً على الميراث الفطريِّ الطبيعيِّ والحضاريِّ للبيئة التي يعيش فيها. السياحة البيئيَّة أَو السياحة الطبيعيَّة هى تلك النوع الترفيهي والترويحي عن النفس الذي يوضح العلاقة بين السياحة والبيئة، أو بمعنى آخر كيف يتم توظيف البيئة من حولنا لكي تمثِّل نمطاً من أَنماط السياحة يلجأ إليها الفرد للإِستمتاع. أَوَّل من أَطلق مُصطلح «السياحة البيئيَّة» هو المعماري المكسيكي وخبير الإِتحاد العالميِّ لصون الطبيعة «هكتور سباللوس لاسكوراين» في العام 1983، منذ ذلك الحين قام خبراء عديدون من منظماتٍ دوليَّةٍ عديدةٍ كالإِتحاد العالميّ لصون الطبيعة ومنظمة السياحة العالميَّة، بتطوير مفهوم السياحة البيئيَّة، ووضع شروطٍ لها، وقبل إِطلاق المُصطلح، كانت العديد من النشاطات السياحيّة قد بدأت تنشأ بين السُيَّاح الواعون والذين بدأوا يُدركون مخاطر السياحة، وما تتركه من آثارٍ سلبيَّةٍ على المجتمع والبيئة والإِقتصاد15
عرَّف الصندوق العالمي للبيئة، السياحة البيئيَّة أَنَّها السفر إلى مناطق طبيعيَّةٍ لم يلحق بها التلوث، ولم يتعرض توازنها الطبيعيّ إلى الخلل، وذلك للإِستمتاع بمَناظرها ونباتاتها وحيواناتها البريَّة وحضاراتها فى الماضي والحاضر فهي سياحة تعتمد على الطبيعة فى المقام الأَوَّل بمناظرها الخلابة. يتّضح مما سبق أَنَّ السياحة البيئيَّة تبادليَّة التأَثير والأَثر، فهي سياحةٌ غنيَّةٌ كثيفةُ العائد والمردود، بحكم الممارسة والعمل السياحيّ، وهي متداخلةٌ ومتشابكةٌ بينها وبين كافة الأَنشطة التي يمارسها الإِنسان، إلاَّ أَنَّها تتفوق عليها بأَنَّه لا ينجم عنها أيّ تلوثٍ للبيئة، بل هي محسِّنةٌ للبيئة إلى جانب محافظتها على سلامتها ونضارتها وجمالها. مرَّ مفهوم السياحة البيئيَّة تاريخياً بثلاثة مراحل هي16:

المرحلة الأولى:
مرحلة حماية السائح من التلوُّث، من خلال توجيهه للمناطق التي لا تحتوي على تهديدٍ له، أَو تُعرِّضه لأَخطار التلوَّث خاصة في المناطق البعيدة عن العمران، إلاَّ أَنَّ هذه المرحلة صاحبتها أَخطارٌ هددت البيئة نفسها، نتيجةٌ لبعض السلبيات التي مارسها السائح والشركات السياحيّة، مما أَدَّى لفقدان بعض المناطق الطبيعيَّة صلاحيتها وهُددت الأَحياء الطبيعيَّة فيها.

المرحلة الثانيَّة:
مرحلة وقف الهدر البيئيِّ، من خلال استخدام سياحة وأَنشطة سياحيّة لا تُسبب أيّ هدرٍ أَو تلوُّثٍ، وبالتالي تُحافظ على ماهو قائمٍ وموجودٍ في الموقع البيئيِّ.

المرحلة الثالثة:
مرحلة التعامل مع أَوضاع البيئة القائمة،  من خلال إِصلاح الهدر البيئيِّ ومعالجة التلوُّث البيئيِّ، وإِصلاح ماسبق أَن قام الإِنسان بإِفساده، أَو معالجة الإِختلالات البيئيَّة لتُصبح أَفضل.
السياحة البيئيَّة التزامٌ أَخلاقيٌ وأَدبيٌ أَكثر منها التزامٌ قانونيٌ تعاقديّ، أَو تعهُّدي ومن ثمَّ فإنَّ تأثير القيم والمبادئ سوف تحكم هذا النوع من السياحة17.
تُساهم السياحة البيئيَّة في تطَّور الإِقتصاد الأَخضر القائم على حماية البيئيَّة واستدامة الموارد، كما تزيد من فُرص نموِّ التعليم البيئيِّ في الدول الناميَّة التي تُعاني من مُعدلاتٍ عاليَّةٍ من التلوَّث نتيجة غياب تقنيات معالجة النفايات الصلبة والسائلة وعدم تطبيق قوانين صارمةٍ للحفاظ على البيئة والموارد الطبيعيَّة، كما تُساهم في الحفاظ على المناطق الآثريَّة من التدهور بفعل الممارسات الخاطئة لبعض السائحين والتي تؤدِّي إلى حرمان العالم من موروث ثقافيِّ مهم.
إن مفهوم التنمية المستدامة يقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن: «تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها». من هذا المنطلق، تأتي السياحة البيئية بوصفها تجسيدًا عمليًا لهذه الفكرة، فهي تقوم على تحقيق التوازن بين الاقتصاد والبيئة والمجتمع. السياحة البيئية في جوهرها ليست مجرد نشاط ترفيهي أو اقتصادي، بل هي منظومة متكاملة تسعى إلى استثمار الموارد الطبيعية بطريقة عقلانية تضمن استمرارها. 
في لبنان، أصبحت العلاقة بين السياحة البيئية والتنمية المستدامة أكثر وضوحًا منذ بداية الألفية الثالثة، حيث بدأت العديد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المناطق الجبلية والزراعية بالاعتماد على مبدأ «السياحة المجتمعية». هذا النوع من السياحة يمكّن السكان المحليين من الاستفادة المباشرة من مواردهم الطبيعية والثقافية، بدل أن تكون هذه الموارد رهينة للشركات الكبرى أو للقطاع الخاص المنفصل عن المجتمع.

 

ثانياً: الخصائص السياحية التي تميّز لبنان
لبنان بلد السياحة والخدمات على أنواعها،  وهو ذو قيمة انسانية وحضارية هامة يتميز بتنوعه الفريد ومعالمه الأثرية ومناظره الخلابة. رغم مساحته الصغيرة 10452 كلم2، لبنان غني بجذوره المكونة منذ آلاف السنين على مر التاريخ، حيث تعاقبت عليه حضارات مختلفة، كالكنعانيون الذين عُرفوا في ما بعد بالفينيقيين (رواد الأبجدية والصناعة والتجارة والملاحة)، والأشوريين والكلدانيين واليونان والرومان والفراعنة والفرس، بالإضافة إلى البيزنطيين والأمويين والفاطميين والأيوبيين والصليبيين والمماليك والعثمانيين وصولا إلى الإنتداب الفرنسي، تاركة خلفها ثقافات عديدة جعلته حافلاً بالكنوز التاريخية وفارضةً بصماتها الاثرية والفنية والعمرانية عليه، أضف الى ذلك تنوع جغرافي فريد كالتضاريس الخلابة ومناظر الطبيعية المميزة18.
يتميز لبنان أيضاً بمناخه المعتدل الجميل الذي رسم تنوع الطبيعة الفاتن في لوحة تمزج بحره الازرق بجبله المكلل بالثلوج وسهوله الخضراء وينابيعه المائية الرائعة الجمال. الأنهار والينابيع تزيد جماله روعة وتؤمن حاجاته الاستهلاكية والزراعية والصناعية. التضاريس فيه متلاحمة فالساحل يعانق الجبل، والتزلج على الثلج يلامس التزلج البحري. كل ذلك يؤمن للسائح الراحة والتمايز على مر الفصول الاربعة.
لبنان مقصد الزوار العرب والأجانب على السواء كما والمغتربين اللبنانيين المنتشرين في كل أرجاء العالم، كونه يتمتع إلى جانب طبيعته المتفردة ومناخه المعتدل، بحضارة سياحية وخدماتية عريقة متأصلة لدى الشعب اللبناني، المعروف بكرمه وحسن ضيافته وانفتاحه على العالم وتعدد الثقافات واللغات لديه، فضلا عن أن قرب المسافة بين أطرافه والعاصمة، يساعد الزائر على التنقل بين المناطق من دون إرهاق. كل هذه العوامل أدت إلى تسمية لبنان «سويسرا الشرق».
تعتبر سنة 2009 قياسية بالنسبة لعدد الزوار19، متخطية الذروة السياحية التي بلغها لبنان قبيل اندلاع الأحداث عام 1974، ليعود لبنان بقوة على الخريطة السياحية العالمية. واعتبر بيت الإستثمار العالمي «غلوبل» في تقرير اقتصادي أن لبنان أصبح عام 2009 بلد النمو والإزدهار في قطاع السياحة، نتيجة السلام بين الأطراف اللبنانية بعد توقيع اتفاق الدوحة في حزيران 2008. اللافت في هذا المجال أن صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أدرجت لبنان سنة 2009 أيضاً على رأس قائمة أهم دول الإستجمام وقضاء فترة العطلات لهذا العام. أهم مؤشر لتقييم الإقبال السياحي على لبنان هو حجوزات الفنادق، في ذلك العام نمت أرباح القطاع الفندقي في لبنان بنسبة 80 في المئة، وفي أوقات كثيرة، وصلت الحجوزات في الفنادق إلى نسبة 100 في المئة، ما يدل على أن البلد يشكل وجهة سياحية عالمية وثقة متزايدة يبديها زواره.
أحصت وزارة السياحة وجود 8 آلاف غرفة فندقية في منطقة بيروت وضواحيها ، بينما المنطقة الجبلية تضم في مجملها 12 ألف غرفة، وتتوزع 2000 غرفة على امتداد المناطق اللبنانية الأخرى. يضاف إليها «بيوت الضيافة» التي بدأت تستحوذ على اهتمام الكثيرين، وهي نوع من الموتيلات والنزول المنتشرة في مختلف الأراضي اللبنانية، توفر على السائح الذي يزور مناطق نائية من لبنان، مشقة العودة إلى العاصمة ليلا ليبيت في أحد فنادقها. مشروع «برنامج الضيافة» انطلق في بداية عام 2006 عندما أجرت المنظمة الأميركية لغوث اللاجئين في الشرق الأدنى «أنيرا» مسحا شاملاً للفنادق المنتشرة في لبنان، فتبين وجود عشرات بيوت الضيافة التي تديرها عائلات حولت بيوتها السكنية إلى فنادق صغيرة تؤمن لها دخلاً معقولاً، فضلاً عن وجود غرف في بعض الأماكن الأثرية والدينية التي توفر الخدمات ذاتها. إن وجود هذا النوع من الإقامات في «بيوت الضيافة» ينعش المنطقة بكاملها، إذ أن السائح يرغب بالإجمال بالتعرف عن كثب على البلدات التراثية والأثرية، ما يفتح المجال واسعاً لترويج النشاطات الشعبية وتصريف المنتجات المحلية. هذا يعني الإبتعاد عن الحياة العصرية واللجوء إلى الحياة القروية، وتشجيع المجتمع المحلي على القيام بنشاطات سياحية بيئية تراثية، والمساعدة في التنمية الريفية.

 

ثالثاً: مقومات السياحة البيئية في لبنان
إن التوصية باعتماد السياحة البيئيَّة بات إلزاماً عالمياً، على المستويين السياحيّ والتنمويِّ الدوليين20. إِرتقت السياحة البيئيَّة إلى مستوى الإلزام التنمويِّ بحسب نصوص كيبك، فهي تتضمن المبادئ الأَساسية التي تكفل قيام السياحة المستدامة وذلك عبر العناصر والخطوات التالية: 
أ.  مساهمتها بشكلّ فعَّالٍ في المحافظة على التراث الطبيعيِّ والثقافيّ.
ب. إشراك المجتمعات المحليَّة والأصليَّة في عمليات تخطيطها وتنميتها وتشغيلها والمساهمة في رعايتها.
ح. إِيضاح وتفسير التراث الطبيعيِّ والثقافيِّ لقاصديها أَو زوارها .
د.  تقديم خدماتٍ أفضل للمسافرين كما وإلى الرحلات المنظمة والتي تضم المجموعات الصغيرة .
لأَنَّ السياحة البيئيَّة، في تعريفها، ليست مُجرد سياحة في الطبيعة أَو سياحة في البيئة، بل هي في المبدأ سياحة للبيئة تحديداً، فإنَّ المقصد الأول للسياحة البيئيَّة، وما يقع في مستواها، هي المحميَّات البيئيَّة في لبنان، وبعد جهود محليَّة وأَهليَّة مُضنيَّة مُنذ الثمانينات، كرَّس التشريع اللبنانيّ، ووزارة البيئة، مشروع حماية المحميات في لبنان منذ سنة 1996وهدفه حماية الأحياء البريَّة والبحريَّة المُهدَّدة بالإِنقراض نتيجة لهذه الجهود مجتمعةً، أُنشِئَ وتحت حماية القانون عدد من المحميَّات الطبيعيَّة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر21

 

أ. محميَّة حُرج إِهدن
أُعلن حُرج إِهدن محميَّة طبيعيَّة، في العام 1992، وذلك نظراً لما يتمتَّع به من تنوُّع حيوي فريد، بالإِضافة إِلى جماله الطبيعيِّ الذي لم تطله يد الإِنسان. تقع المحميّة على إِرتفاع من1200 إلى 2000 متر عن سطح البحر على أَعلى المنحدرات الشماليَّة الغربيَّة لسلسلة جبال لبنان الغربيَّة، وتضُم أَكثريَّة أَنواع الأَشجار التي تنمو طبيعيَّاً في لبنان. خلال التنزُّه في الغابة، يجد الزائر دائماً ما يُثير إِنتباهه، ورغم أَنَّه نادراً ما يقع نظره على عُقاب ملكي مُهدَّد بالإِنقراض أَو ذِئب أَو سنُّور، إِلاَّ أَنَّه سُرعان ما يكتشف الأَزهار الجميلة كالسحلبيَّات، وحيوانات السلمندر الزاهيَّة بالأَلوان، أَو الفطر، كما يُمكنه الإِستمتاع على الدوام بزقزقة العصافير، فالمناظر الطبيعيَّة التي تُقدِّمها هذه الغابة الخلاَّبة، بوديانها وممراتها الجبليَّة، تتبدل من فصلٍ لآخر22.

 

ب. محميَّة بنتاعل 
هي إِحدى أَقدم المحميَّات في لبنان من عام 1981، تقع في وسط جرود جبيل بين محافظتي جبل لبنان ولبنان الشمالي، تبعد عن بيروت 38 كلم شمالاً وعن مدينة جبيل 7 كلم شرقاً وعلى ارتفاع من 400 إلى 500 م عن سطح البحر، مساحتها تزيد عن المليون متر مربع، يُغطِّيها غطاء نباتي متنوع من أَشجار السنديان والنباتات العطريَّة. تشتهر هذه المحميَّة بغابة صنوبر متوسطيَّة نموذجيَّة، وتتميَّز بأَنواع الطيور المُستوطنة فيها، باعتبارها ممراً لأَسراب الطيور المُهاجرة شتاءً من أوروبا إِلى الجنوب، وربيعاً من الجنوب إِلى الشمال23.

 

 

ج. محميّة أَرز تنورين  - حدث الجبَّة
تتألَّف من مشاعات بلدات تنورين، حدث الجبَّة، الكفور، نيحا الشمال، والبطريركيَّة المارونيَّة، مساحتها 600 هكتار، وهي على بُعد 60 كلم من  العاصمة شمالاً، أُعلنت محميّة سنة 1996، تحتوي على غابة أَرز وعلى سُلالات شجريّة أُخرى تُشكلّ مُختبراً عِلميَّاً نَباتيَّاً فائق القيمة، كما وتحتوي على أَكثر من مئة نوع من الأَعشاب المُتأصِّلة إِلى عشرات أَنواع الطيور والحيوانات البريَّة، يُقدِّم المحيط أَوديةً وجبالاً صخريَّةً وغطاءً نباتيَّاً مثاليَّاً لمُحبِّي رياضات المشي والتخيِّيم، ومشاهد رائعة لهواة التصوير، وهي موضع عِناية ومُتابعة جمعيَّات أَهليَّة مُحيطة.

 

د. محميّة شاطئ صور
تقع المحميَّة على الشاطئ الجنوبي لمدينة صور، على بُعد حوالي 85 كلم جنوب بيروت تبلغ مساحتها حوالي 8 كلم2، أُعلنت محميَّة سنة 1998، هي ملجأً للحيوانات والثدييَّات البحريَّة المُهدَّدة بالإِنقراض، مثل السلاحف البحريَّة، والضفادع والنورس والإِسفنج وقنفُد البحر وغيرها، ممَّا يجعلها بيئة ممتازة للإِختبارات العلميَّة البيولوجيَّة. تتميَّز المحميَّة بكونها مُحيطاً يجمع الطبيعة، فالتاريخ، كبُرك رأس العين في صور، والثقافة، كآثار صور، إِلى الإِجتماعيِّ المتنوع الغنيِّ كمدينة صور التاريخيّة ومُحيطها، إِلاَّ أَنَّها مُهدَّدة نسبيَّاً بفعل قرب شواطئ السباحة منها. 

 

هـ. محميّة اليمُّونة
تقع المحميَّة على السفح الشرقيِّ لجبل المكمل من السلسلة الغربيَّة، تبعُد حوالي 40 كلم عن زحلة عاصمة محافظة البقاع، وعلى علو 2000 م، تُعتبر المحميَّة خزان مياه بامتياز، لأَسباب جغرافيَّة ومناخيَّة،  إِذ فيها أَكثر من 80 نبعاً دائماً. بسبب إِرتفاع المحميَّة، وبُعدها النسبيِّ عن مظاهر التمدُّن العشوائيِّ، حافظت على أَنظمة تنوإيكولوجيِّ وبيولوجيَّ غنيَّة جداً، بَعضها نادر وموضع إِهتمام علميِّ عالمي. أُحصي فيها أَكثر من 1700 سُلالة نباتيَّة تتفرد به المحميَّة، كما أن أَنواع من الطيور والثدييَّات تتخذ من بريَّة المحميَّة موئِلاً لها. في المحميَّة غِطاء نباتيِّ غنيِّ بأَكثر من مليوني شجرة، مُعظمها من اللزَّاب الذي يغطّي حوالي 30% من مساحة المحميَّة. يُشكل مُحيط المحميَّة بيئة ثقافيَّة مُتفرِّدة، يُمكن فيه الإِلتقاء بأَنواع من التقاليد والقيم، وأَنماط من المعيشة، ولهجات وأَنظمة حياة وسكن غير موجودة في أَماكن أُخرى24.

 

و. محميَّة جُزُر النخل
مجموعة جُزُر، تقع على مسافة بضعة كيلومترات مقابل شاطئ طرابلس الميناء، وبَعد رحلةٍ مُمتعةٍ بالقارب تدوم نصف ساعة من منطقة الميناء، تصل إِلى الجُزُرِ الأَبعد غرباً، جُزُر النخل، وجُزُر رامكين حيثُ تُشكلّ هذه الجُزُرِ، مع 500 متر من المياه الزرقاء الصافية التي تُحيط بها محميَّة جُزُر النخل الطبيعيَّة التي تأَسست في العام 1992، وتمَّ إِعلانها منطقة محميَّة متوسطيَّة، مُتمتعة بحماية خاصة بموجب إِتفاقيَّة برشلونة، ومنطقة عالميَّة هامة للطيور من قبل المجلس العالميِّ لحياة الطيور، وأيضاً منطقة رطبة ذات أَهميَّة دوليَّة. وتتميز محميَّة جُزُر النخل بالشواطئ الرمليَّة ذات الأهمية العالمية حيث تُشكلّ موقعاً لتفقيس السلاحف البحريَّة، والتي زاد عدد أعشاشها عن31 عشاً. تعجَّ بالأَزهار في فصل الربيع، وتؤمِّن مكانًا تبني فيه الطيور المحليَّة والمُهاجرة أَعشاشها فتصبح مأوى للعديد من الكائنات الحية النادرة.
المحميَّات البيئيَّة في لبنان رمز وثروة، رمز نُضُوج اللبناني، وثروة المجتمع والوطن. تقع على عاتق السياحة التعامل بحذر مع المحميَّات، فالنجاح الذائع الصيت لبعض المحميَّات ربما يتحوُّل إِلى عنصر ضغط على إِمكاناتها وطاقة إِحتمالها في إِستقبال الزوَّار، لذلك يجب إعداد مراكز بحث علمي تُحدد سنوياً طاقة كلّ محميَّة على استقبال السُيَّاح من الخارج أَو من الداخل، بهدف الحفاظ على طبيعتها الدقيقة والحساسة، ولا يُسمح إِلاَّ لفرق البحث العلميِّ بالولوج إلى كافة زواياها(25). 

 

موارد سياحيّة طبيعيَّة بيئيَّة
لأَنَّه يستحيل أَن تكون السياحة البيئيَّة، وبخاصة الخارجي منها، سياحة بيئيَّة تامة، أَو سياحة بيئيَّة فقط، يستطيع السائح البيئيِّ أَن يُمضي أيّاماً إِضافيَّة في مواقع طبيعيَّة بيئيَّة ممتازة، تنتشر هذه المواقع في معظم المناطق اللبنانيّة، من الشمال إِلى الجنوب، ومن البقاع إِلى الجبل ومحيط العاصمة. فالسطح الطبيعيِّ اللبنانيّ، الطوبوغرافيِّ  يمتلك كلّ الجاذبيَّات الطبيعيَّة الأَخَّاذة التي تُدهش الزائر الخارجي كما المحلِّي. يستحيل إدراج وشرح كافة المواقع الطبيعيَّة البيئيَّة في لبنان، المُمتدة من خليج الناقورة الرائع، في أَقصى الجنوب والذاهب شرقاً إِلى الوزاني والحاصباني ووادي التيم، والمتجه شمالاً في آيات السلسلتين الشرقيَّة والغربيَّة عبر البقاع وجبل لبنان، وصولاً إِلى القمُّوعة وجبل المكمل وغابات الأَرز، وإِنتهاءً بمجرى النهر الكبير شمالاً، وكنماذج على سبيل المثال: 

 

أ. مغارة جعيتا الطبيعيَّة
أَول المعالم السياحيّة الطبيعيَّة البيئيَّة، التي ترد إِلى الذهن فوراً، تكون مغارة جعيتا الطبيعيَّة، هي أَجمل روائع الطبيعة لا في لبنان والشرق فحسب، بل ربما في العالم الأَوسع، ورُغم أَنَّ هناك مغاور أُخرى رائعة في لبنان مثل، كفرحيم وقاديشا وآفقا، كما أَنَّ هناك مغاور في بُلدان عدة أَكثر طولاً، إِلاَّ أَنَّ مغارة جعيتا هي أَكثر تنوعاً وكثافةً وإدهاشاً، تبعُد مغارة جعيتا بضع كيلومترات شرقاً عن شاطئ مدينة جونيه، إِلاَّ أَنَّ زائرها سُرعان ما يجد نفسه في عُمق وادٍ سحيق، بين جبلين مكسوُّين بالسنديان والملول والعرعر واللَّزاب، وعلى نحو ينسى معه تماماً أَنَّه لا يبعُد سوى مئات الأَمتار عن أَقرب حاضرة سكنيَّة، هذه بعض قوة جذب المغارة كموقع طبيعي. هذا المورد السياحيّ الطبيعيِّ  البيئيِّ هو قِبلةً سياحيّةً من الدرجة الأُولى، من الخارج كما من الداخل، فقد يزور الموقع حوالي 275000 سائح خلال العام، يُشكلّ غير اللبنانيّين نسبة 85% من الزوُّار خلال شهري تموز وآب، بينما تعود لتتوازن النسب تقريباً في باقي أَشهر السنة، ويُشكلّ الأَطفال واليافعون شريحة كُبرى بين زائري المغارة، الأَمر الذي ينعكس إِيجاباً على تشكلّ وعيهم البيئيِّ، وذوقهم الجماليِّ الطبيعيِّ وسط طُغيان كلّ ما هو غير طبيعيِّ وغير صحيِّ.

 

ب. المركز الحرجي المتوسطي في الرمليَّة قضاء عاليه 
أُنشىءَ المركز الحرجي المتوسطي سنة 1995، بالتعاون بين الجهات الأهليَّة المحليَّة وجهات مُتخصصة في الإِتحاد الأوروبيِّ، في منطقة حُرجيَّة، في بلدة الرمليَّة، تبعد عن محميَّة أَرز الشوف حوالي 8 كلم، وحوالي 40 كلم عن بيروت، ترتفع شبه المحميَّة بين 600 إلى800 م عن سطح البحر، ما يجعلها موئِلاً لمئات أَنواع النبات والأَشجار، ولتنوع حيوي واسع. إِنَّ الأَكثر أَهميَّة في شبه المحميَّة، أَنَّها غير مُقامة على مشاعات، وإِنَّما على أَرض مملوكة من مواطنين، وبرضاهم، وهو دليل نجاح المركز في إِقامة أَوثق العلاقات مع المجتمع المحلِّي، وهو هدف ثابت في كلّ إِستراتيجيَّات السياحة البيئيَّة. يمتلك المركز فريق عمل أَخصائي، يُرافق الزوَّار ويُدير كافة الأَنشطة بكفاءة عالية، للحد الأَقصى من الفائدة والخِبرة والمُتعة، مع الحد الأَدنى من المخاطر على البيئة، ويُنفِّذ المركز سنوياً، دورات تدريبيَّة مُتخصصة على إِدارة الأَنشطة البيئيَّة، مع مراكز وجامعات وجهات محليَّة ودوليَّة.

 

رابعاً: محاربة التلوث للإرتقاء بالسياحة البيئيَّة
تعاني الإدارة البيئية في لبنان من تشتّت الصلاحيات بين الوزارات والبلديات، ومن ضعف تطبيق القوانين البيئية النافذة. رغم صدور القانون رقم 444/2002 المتعلّق بحماية البيئة26، إلا أنّ غياب آليات التنفيذ والمراقبة حدّ من فاعليته، لذلك من الضروري العمل على إنشاء مجلس وطني للسياحة المستدامة، تحديث التشريعات لتُلزم المشاريع السياحية بدراسات تقييم أثر بيئي قبل التنفيذ، وتعزيز اللامركزية البيئية لتمكين البلديات من إدارة المحميات والموارد السياحية المحلية. هذه الخطوات تضمن تقاطع المحاور الاقتصادية والاجتماعية ضمن رؤية وطنية موحّدة، وتمنح السياحة البيئية غطاءً تشريعيًا متينًا يحدّ من التعدّيات والفوضى الاستثمارية.
لا يمكن فصل نجاح السياحة البيئية عن المشاركة الفعلية للمجتمع المحلي، فالقرى الجبلية والريفية هي الشريك الأساسي في حماية الموارد التي يعتمد عليها هذا النوع من السياحة. ولا يمكن الوصول إلى الأهداف المرجوة من دون تدريب اللبنانيين على إدارة المشاريع السياحية الصغيرة (بيوت الضيافة، مسارات المشي ...)، إدماج المرأة والشباب في الأنشطة البيئية المنتجة (الزراعة العضوية، التصنيع الغذائي، الحرف التقليدية)، تشجيع البلديات على إنشاء صناديق تنمية خضراء تموَّل من عائدات السياحة البيئية وتُستخدم في إعادة التشجير وإدارة النفايات. هذا النهج المجتمعي يخلق توازنًا بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة، ويمنح السكان شعورًا بالمسؤولية تجاه مواردهم.
تبدأ حماية البيئة من وعي الفرد ومسؤوليته اليومية تجاه الطبيعة التي يعيش فيها. فالدولة يمكنها أن تضع القوانين، والمؤسسات يمكنها أن تطبّق البرامج، ولكنّ الأثر الحقيقي للاستدامة لا يتحقّق إلا حين يصبح السلوك البيئي جزءًا من الثقافة الفردية والجماعية. يتضاعف دور الأفراد في حماية الموارد الطبيعية وضمان استمرار السياحة البيئية كقطاع منتج ومستدام، لذلك يجب توعية اللبنانين للوصول إلى بيئة مستدامة وذلك من خلال تطبيق بعض الأمثلة ممّا يمكن للفرد أن يقوم به للمساهمة في الحدّ من التلوث البيئي:
1. الحد من استخدام مياه الشرب في الطهي، وتجميع مياه الأمطار للاحتياجات الأخرى: سقي الحديقة والتنظيف المنزلي وما إلى ذلك. 
2. التقليل من استهلاك الطاقة: عن طريق فصل الأجهزة غير المستخدمة وإيقاف التدفئة والتكييف عندما يكون المنزل فارغاً.
3. شراء الأساسيات من الاحتياجات فقط.
4. إصلاح المعدات والآلات والأجهزة المعطلة بدلاً من الحصول على أخرى جديدة، لتقليل النفايات الإلكترونية الضارة بالبيئة.
5. عدم هدر الماء.
6. عدم الاعتماد على المنتجات البلاستيكية حيث يوجد بدائل عنها، كاستخدام شنطة من القماش بدل النايلون عند شراء الحاجيات.
لتجنب التلوث البيئي ومخاطره من الضروري تقليل الأنشطة الملوثة وتشجيع الإنتاج العضوي مع احترام الإدارة البيئية. في الوقت نفسه، الاعتماد على إعادة تدوير النفايات ومعالجتها. هذا يؤدي إلى استهلاك أقل للمواد، ويحد من النفايات وإطلاق الكربون في الغلاف الجوي. لا بد من تقييد تدمير الموائل الطبيعية وحماية التنوع البيولوجي، وحظر الصيد المكثف للحيوانات المهددة بالانقراض. 
يشدد المهندسون البيئيون على وجوب استخدام الطاقة المتجددة، كالطاقة الشمسية وتوربينات الرياح وتوربينات المد والجزر والطاقة الكهروضوئية والكتلة الحيوية والطاقة الحرارية الأرضية وغيرها. قد يكون تركيبه مكلف للغاية، ولكن بفضل هذا النظام، من الممكن استهلاك طاقة أحفورية أقل، وبالتالي توفير في فاتورة الكهرباء والأهم توفير تلوث البيئة، وبالتالي المساهمة في الحفاظ على مقومات السياحة البيئية. اضافة الى ذلك يجب البدء بالتخطيط لـ:
7. اعتماد النقل المستدام (الحافلات الكهربائية والدراجات الهوائية)، لما لها من أثر إيجابي على جودة الهواء.
8. إنشاء محطات معالجة لمياه الصرف الصحي في كل المناطق.
9. فرض رقابة على المصانع التي تصرف نفاياتها في المجاري المائية. 
10. تشجيع استخدام المياه المعالجة في الزراعة بدل المياه العذبة.
11. اعتماد الزراعة العضوية التي تستبدل الأسمدة الكيميائية ببدائل طبيعية.
12. تطبيق نظام إدارة النفايات المتكاملة عبر الفرز وإعادة التدوير.
13. سنّ تشريعات تمنع رمي النفايات في الأراضي الزراعية والمناطق الطبيعية.
إنّ السياحة البيئية ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي فلسفة إنسانية جديدة تضع الإنسان في قلب الطبيعة لا فوقها. هي دعوة لإعادة بناء علاقة أخلاقية مع الأرض، تقوم على المشاركة والاحترام والمسؤولية.
في السياق اللبناني، يمكن لهذه الفلسفة أن تلعب دورًا روحيًا وثقافيًا يعيد للإنسان ارتباطه بالريف والجبل والغابة، ويبعث في النفوس قيمة الانتماء إلى الأرض والوطن من خلال الطبيعة ذاتها. ولعلّ أهم ما يمكن أن تحققه السياحة البيئية في لبنان هو تحويل الأزمة البيئية إلى فرصة للتجديد الوطني، بحيث تصبح حماية البيئة جزءًا من الهوية الوطنية لا مجرد واجب قانوني27. 


الخلاصة
تُشكلّ السياحة البيئيَّة مورداً إقتصادياً مهماً لتحقيق التنمية المحليِّة، وصولاً إلى التنمية البشريَّة المستدامة من خلال المحافظة على البيئة، والإِستفادة من الامكانيَّات الماديَّة والبشريَّة التي تتمتع بها المناطق الريفيَّة، دون إلحاق أذى بحقوق الأجيال القادمة، من خلال إشراك المجتمع المحلي بعمليَّة التنميَّة، باعتباره عاملاً مهماً في إنجاح مشاريع السياحة البيئيَّة التي توفر للمجتمع المحلِّي فرص عمل مستدامة. في وسع هذا القطاع أَن يكون مصدراً لمداخيل وعمالة نظيفة إِضافية، على مستوى الدخل الفردي والإقتصاد الوطنيّ فيعطي اضافة مباشرة لتعزيز القدرات الاقتصادية للدولة.
إِنَّ موقع السياحة البيئية في الإِقتصاد اللبنانيّ، يدفع للسعي إلى خلق حركة سياحيّة متطورة، تتطلب تضافر الجهود كافة، بدءاً من إيجاد التشريعات الملائمة، والتنسيق بين كافة الوزارات، وصولاً إلى التعاون بين القطاعين العام والخاص، والمشاركة للوصول إلى صناعة سياحيّة بيئيَّة، متطورة الرؤية، تشكلّ ركيزةً أَساسيَّة في الإِقتصاد الوطنيّ. إِمتازت السنوات الأخيرة في لبنان، بتقدم المطلب البيئيِّ إلى الواجهة في أَكثر من مجال ومكان، وتبدَّى ذلك في التشدد في حماية الأحراج، ومنع المرامل والكسارات، كما الاهتمام بالمياه اللبنانية الجوفية والجارية وصولاً إلى تنقية الهواء أكثر بما يتلاءم مع مستقبل لبنان الزاهر. 
تحسين البيئة يعزّز صورة الدولة عالمياً، باعتبارها تحترم الطبيعة وتلتزم بقيم الاستدامة وحماية الإنسان. هذه الصورة الإيجابية تعطي دفعة تصاعدية في المنظور الدولي، لأنها لا تقوم على الإكراه أو الضغط، بل على الجاذبية والإقناع وبناء الثقة. فالدول التي تنجح في حماية بيئتها وتحسين نوعية الحياة فيها تُنظر إليها كنماذج يُحتذى بها، ما يزيد من احترامها وتأثيرها المعنوي في العلاقات الدولية. معالجة تلوث البيئة لم يعد مجرد سياسة داخلية مرتبطة بالصحة أو الموارد الطبيعية، بل أصبح أداة استراتيجية لتعزيز القوة الناعمة للدول.
مستقبل السياحة البيئية في لبنان مرتبط ارتباطًا وجوديًا بمصير البيئة اللبنانية نفسها. فإذا استمر التدهور البيئي بوتيرته الحالية، فإنّ القطاع السياحي برمّته سيفقد أحد أهم أعمدته الطبيعية. أما إذا تم تبني نهج بيئي مستدام، فسيكون للبنان موقع ريادي في السياحة الخضراء على مستوى المنطقة والعالم. من هنا، فإنّ الخيار أمام اللبنانيين واضح: إمّا مواصلة الانحدار نحو بيئة ملوثة واقتصاد منهار، أو الاستثمار في بيئته كطريق للنهضة المستدامة. إنّ بناء مستقبل السياحة البيئية لا يحتاج فقط إلى سياسات حكومية، بل إلى إرادة وطنية جماعية تدرك أن حماية البيئة هي حماية للإنسان والهوية والوطن معًا.

 

المصادر والمراجع 

1.  مجلس النواب، القوانين اللبنانية، القانون 444، تاريخ النشر 2002.
2.   وزارة البيئة، كتيب المحميات في لبنان، إصدار وزارة البيئة اللبنانيّة، 1996.
3.  الأمانة العامة للأسكوا، البُعد الثقافي للتنمية، 2010.
4.  محمد شيَّا، السياحة البيئيَّة في لُبنان بين الحلم والواقع، دار النشر، الطبعة الأولى، بيروت، تشرين الأول 2004.
5.   فؤاد بن غضبان، السياحة البيئية المستدامة بين النظرية والتطبيق، دار صفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 2015.
6.   جان لينون، Tourism Statistics، لندن، 2003. 
7.  علي زين الدين، دور المحميات الطبيعية في تنمية السياحة البيئية في لبنان ، مجلة الجيش، العدد 81، تموز 2012.
8.  روبيرت ماكنتوش، بانوراما الحياة السياحية، ترجمة عطية محمد شيحاته، القاهرة، 2002.
9.  علي الموسوي، دور السياحة البيئية في التنمية المحلية، الجامعة اللبنانية، 2014.
10.  سناء الصباح، السياحة والتنمية المحلية، كلّية العلوم الاجتماعية، 2014.
11.  علي فاعور، جنوب لبنان الطبيعة والانسان، دار الباحث للطباعة، طبعة أولى 1985.
12.  علي فاعور، الهجرة للبحث عن وطن، المؤسسة الجغرافية، 1993. 
13.  محمد خولي، بيئة لبنان ثروة ضائعة، منريخ للطباعة والنشر، 2000.
14.  حبيب معلوف، على الحافة: مدخل إلى الفلسفة البيئية، منشورات المركز الثقافي العربي، 2001
15.  رامي دليبة، إدارة الموارد الطبيعية في لبنان: التحديات والفرص، دار الفكر 2020.

 

Ecotourism in Lebanon:  A Natural Heritage Under Threat of Degradation 

Lieutenant Colonel Pilot Hadi Gerges


Ecotourism in Lebanon represents one of the country’s most valuable natural assets, owing to its unique geographical and environmental diversity that combines mountains, forests, rivers, and coastlines within a limited territory. However, this natural heritage has experienced a significant decline in recent decades as a result of accelerating environmental degradation, particularly affecting its fundamental components: soil, air, and water. Unsustainable agricultural practices, unregulated urban expansion, and deforestation have led to soil erosion and loss of fertility, negatively impacting natural ecosystems. In addition, emissions from transportation, private power generators, and polluting industries have contributed to the deterioration of air quality, while water resources have been severely threatened by untreated wastewater and industrial waste, undermining rivers, springs, and groundwater reserves, and consequently weakening the country’s ecological and tourism appeal.
Within this context, ecotourism emerges as a strategic sector capable of contributing to environmental protection while simultaneously generating sustainable economic returns. Ecotourism is not limited to the exploitation of natural resources; rather, it is founded on conservation principles and the active involvement of local communities in resource management, thereby promoting rural development and reducing internal migration. Protected areas, ecological trails, and eco-friendly rural destinations in Lebanon have demonstrated their potential to create employment opportunities and support local economies, particularly amid the country’s ongoing economic crisis.
Moreover, ecotourism can be regarded as an effective instrument of national power, as it enhances environmental and food security, diversifies national income sources, and strengthens the relationship between society and nature. It also constitutes a key element of soft power, contributing to the improvement of Lebanon’s international image as a rich country in natural and environmental diversity and capable of adopting sustainable development models. Accordingly, protecting the Lebanese environment and developing ecotourism are not optional policies, but rather national and strategic imperatives to preserve Lebanon’s natural identity and reinforce its economic and political standing in an increasingly sustainability-oriented world.

Le tourisme écologique au Liban : un patrimoine naturel en péril

Lieutenant-colonel pilote Hadi Gerges

 

L’écotourisme au Liban constitue l’un des atouts naturels les plus précieux du pays, en raison de sa diversité géographique et environnementale exceptionnelle, réunissant montagnes, forêts, rivières et littoral sur un territoire restreint. Toutefois, ce patrimoine naturel connaît, depuis plusieurs décennies, un recul notable résultant de la dégradation environnementale accélérée, touchant particulièrement ses composantes fondamentales : Sol, Air et Eau. Les pratiques agricoles non durables, l’urbanisation anarchique et la déforestation ont entraîné l’érosion des sols et la perte de leur fertilité, affectant négativement les écosystèmes naturels. Par ailleurs, les émissions issues des transports, des générateurs électriques privés et des industries polluantes ont contribué à la détérioration de la qualité de l’air, tandis que les ressources hydriques ont été gravement menacées par les eaux usées non traitées et les rejets industriels, compromettant les rivières, les sources et les nappes phréatiques, et affaiblissant ainsi l’attractivité écologique et touristique du pays.
Dans ce contexte, l’écotourisme apparaît comme un secteur stratégique capable de contribuer à la protection de l’environnement tout en générant des retombées économiques durables. L’écotourisme ne se limite pas à l’exploitation des ressources naturelles, mais repose sur des principes de conservation et sur l’implication active des communautés locales dans la gestion des ressources, favorisant ainsi le développement rural et la réduction de l’exode interne. Les aires protégées, les sentiers écologiques et les destinations rurales écotouristiques au Liban ont démontré leur capacité à créer des opportunités d’emploi et à soutenir les économies locales, notamment dans le contexte de la crise économique actuelle.
En outre, l’écotourisme peut être considéré comme un instrument efficace de la puissance nationale, dans la mesure où il renforce la sécurité environnementale et alimentaire, diversifie les sources de revenus nationaux et consolide le lien entre la société et la nature. Il constitue également un élément central de la puissance douce (soft power), en contribuant à améliorer l’image du Liban sur les plans régional et international en tant que pays riche en diversité naturelle et environnementale, et capable d’adopter des modèles de développement durable. Ainsi, la protection de l’environnement libanais et le développement de l’écotourisme ne relèvent pas d’un choix secondaire, mais représentent une nécessité nationale et stratégique pour préserver l’identité naturelle du Liban et renforcer sa position économique et politique dans un monde de plus en plus axé sur la durabilité.