الهيئات الرقابية في لبنان تعزيزًا للشفافية

الهيئات الرقابية في لبنان تعزيزًا للشفافية
إعداد: أ.د. عصام مبارك

المقدمة
من أبرز سمات الدولة الحديثة، أنها دولة قانون État de droit؛ تُعلِي حكم القانون وسيادته، فيخضع جميع مَن فيها من حكام ومحكومين لقواعده وأحكامه، ويعملون ضمن نطاقه وفي إطاره، فلا أحد فوق القانون، حيث تظهر هنا بجلاءٍ العلاقة الوثيقة بين مفهوم الدولة القانونية ومبدأ المشروعية. فدولة القانون هي وضعية ناجمة عن رضوخ مجتمع معين لنظامٍ قانوني يقضي على الفوضى والعدالة الخاصة، وبالمعنى الضيق هو تعبير عن نظام قانوني يتحقق فيه احترام القانون ضمانة لحقوق الخاضعين له وعلى وجه الخصوص في مواجهة الكيفية.1
وفي تعبير آخر، إن دولة القانون تخضع جميع السلطات فيها وبمظاهر نشاطها من التشريعي فالقضائي والإداري إلى القانون. والقانون فيها ليس مجرد ضابط لعمل هذه السلطات فحسب، بل هو ضمانة أكيدة لحماية حقوق المتعاملين معها وحرياتهم والعاملين لديها أيضًا، حيث تُعد كفالة هذه الحقوق والحريات أهم عناصر وجودها.
إن الشرعية هي صفة لما هو منطبق على القانون، ولكن يجب أخذ عبارة التشريع Loi بمعناه الواسع أي القانون Droit، وتعني الشرعية ما هو انطباقا إلى القانون.2
وتُعد السلطة التنفيذية أشد سلطات الدولة الثلاث3 خطرًا على حقوق الأفراد وحرياتهم،4 بحكم طبيعة وظيفتها، وما تتمتع به من صلاحيات واسعة لمباشرتها، تجعلها في مركز أقوى، يسمح لها بالمَساس بهذه الحقوق والحريات.
إن السلطة بطبيعتها قد تؤدي إلى جموح وميل غريزي للانفلات، والاستخدام السيء للديموقراطية وانعدام الشفافية والموضوعية في اتخاذ القرار داخل المؤسسات، يتبعه فقدان القيم والمبادئ الأخلاقية من نزاهة ومصداقية وغيرها داخل المجتمعات والمؤسسات، والسعي الدائم إلى استعمال السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب خاصة على حساب المصلحة العامة، إضافة إلى سوء توزيع الموارد وعدم استثمار الوقت والجهد لتحقيق إنتاج أفضل، وعدم الإحساس بالمسؤولية والجدية تجاه ما هو ملقى على عاتق المسؤولين في الدوائر والمؤسسات، وغيرها من الأسباب والأمور- التي أدت إلى انتشار آفة تعد أشد أثرًا وفتكًا من غيرها من الآفات وهي الفساد بنوعيه الإداري والمالي- التي دعت إلى تضافر الجهود سواء على الصعيد الداخلي أم الدولي للحد من هذه الظاهرة التي يكاد القضاء عليها مستحيلاً.
ولا سبيل لاتّقاء هذا الخطر وتفاديه إلا بإخضاع أعمال هذه السلطة وتصرفاتها للرقابة القضائية، للتأكد من أن أداءها يجري في إطار القانون، فمراعاة هيئات الدولة لأحكام القانون، تبقى مسألة نظرية، ما لم تقترن بإخضاعها لرقابةٍ قضائية فعالة، يمكن من خلالها ردها إلى جادة الصواب، كلما خرجت عن حدود القانون وتجاوزته، يضاف إلى ذلك أن إدراك الإدارة، بأنها تخضع باستمرارٍ لرقابة القضاء، سوف يجعلها أكثر حرصًا على احترام القانون، خشية أن يكشف القضاء عن انحرافها، ويُظهرها في وضع غير سليم.
ولأجل ذلك كله، دأبت معظم الدول على إخضاع أدائها الحكومي للرقابة القضائية، وقد نصت دساتيرها على حظر تحصين أي قرار أو عمل إداري من رقابة القضاء، سواء أكانت رقابة إبطال أم رقابة تعويض، كما وكفلت قبل ذلك كله حق التقاضي لمواطنيها. فرجال الإدارة والعاملون فيها ما هم إلا بشرًا عاديين، غير معصومين من الخطأ، وقد يدفعهم ما يتمتعون به من سلطات مُنحت لهم لتحقيق الصالح العام، إلى استبدادهم بها، والإساءة إلى الأفراد المتعاملين معهم. فكل إنسان ذي سلطان يميل إلى إساءة استعماله ويسترتسل في ذلك حتى يلاقي حدودًا5.
هذا الأمر استدعى تدخل القضاء، بما يتمتع به من تخصص وحيادية ونزاهة لا يرقى إليها الشك، للوقوف بوجه تعنّت الإدارة وإجبارها على احترام القانون، من خلال ترتيبه البطلان على أعمالها غير المشروعة والتعويض عما أحدثته من أضرار للغير، مُراعيًا في الوقت نفسه تحقيق التوازن بين مقتضيات الصالح العام الذي تسعى الإدارة إلى تحقيقه، وبين حماية الموظفين ووقايتهم من تعسف الأخيرة واستبدادها.
جال فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على بعض مراكز الهيئات الرقابية6 بتاريخ 2 تشرين الأول 2025. وقد شدد أمام رئيس هيئة الشراء العام على «ضرورة التزام مبادىء الشفافية والمنافسة والمساواة في كل عمليات الشراء العام من دون أي استثناءات ومحاباة»، كما أكد عند لقائه رئيس التفتيش المركزي «ضرورة تكثيف التفتيش الميداني المفاجىء على الإدارات والمؤسسات العامة وكشف مواقع الهدر والفساد بلا هوادة مع إحالة الملفات إلى القضاء المختص من دون أي تأخير».
وقد شدد فخامة الرئيس لدى زيارته رئيس ديوان المحاسبة على «ممارسة الرقابة القضائية باستقلاليةٍ تامة ونزاهة مطلقة، لأنكم حصن المال العام الأخير، مع الإسراع في البت بملفات الهدر والمخالفات المالية المتراكمة، فالعدالة البطيئة ليست عدالة».
لا يكاد يخلو مجتمع من المجتمعات قديمها وحديثها من أشكال الفساد، فهناك انفصام واضح بين التصور والسلوك وبين القناعات والأداء، ومردّ كل هذا هو السعي نحو تحقيق المصالح الشخصية، إضافة إلى ضعف الرقابة بكل أشكالها. إن للفساد ضريبة آثارها مدمرة على الاقتصاد الوطني وسبب في تفشّي الفساد المؤسساتي الذي بدوره يؤثر في جميع أنواع المؤسسات في القطاعَين العام والخاص بدرجةٍ تتفاوت طبقًا لمقدرة كل منها على التعامل مع آثاره7، إذ أصبح مشكلة على مستوى العالم سواء أكان الفساد إداريًا أم ماليًا أم أي نوع آخر وأيًا كان حجمه، فكان تسخير الدول لسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية للحد من هذه الآفة أولى السبل لمكافحتها.
تعددت الوسائل والسبل لمكافحة الفساد بكل أشكاله والبحث واسع جدًا وإن شمل كل هذه الوسائل، فوجدنا أن نركز دراستنا على بعض هذه الوسائل وبيان مدى فاعليتها ألا وهي الهيئات الرقابية التي بدورها تتنوع وتتعدد أشكالها وأساليبها في مكافحة الفساد.
تشكل الرقابة على أجهزة الدولة إحدى أسس النظام الديموقراطي الحديث.8 ومع تطور مفهوم الدولة نحو الدولة الإدارية أو الدولة الحديثة وسعي الدولة لتفعيل دورها الخدماتي تجاه المواطن، بدأت الدول بتأـسيس هيئات حكومية تنظيمية وتفتيشية، وبالتالي تحولت الإدارة العامة إلى جزء أساسي من الحياة اليومية للمواطن في الدولة الحديثة9.


جاء إنشاء أجهزة الرقابة في لبنان لتعزيز إدارة الدولة بمفهومها المؤسساتي ووضع الأجهزة التنفيذية للدولة تحت مظلة الرقابة. وهو ما يمنع الاستنسابية الإدارية وتغليب لغة المصالح لدى السلطة السياسية وأهل الحكم. يُعد لبنان من الدول المطابقة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لا سيما في ما يتعلق بـتطوير فعالية أجهزة مكافحة الفساد، وتعمل في لبنان هيئات رقابية، تُعنى بتنفيذ القوانين وفق صلاحيات كل منها، وقد عملت الدولة اللبنانية على إنشاء عدة هيئات متخصصة لتتولى مكافحة الفساد ومن أبرزها: «الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ديوان المحاسبة-الشؤون المالية العامة، التفتيش المركزي-الشؤون الإدارية والتأديبية، مجلس الخدمة المدنية-الشؤون الوظيفية، الهيئة العليا للتأديب-الشؤون التأديبية، التفتيش القضائي-الشؤون القضائية، مصرف لبنان-هيئة التحقيق الخاصة شؤون مصرفية، الهيئة التأديبية الخاصة بالبلديات-الشؤون البلدية»، وأخيرًا إن صدور قانون الشراء العام قد حقق فعالية في مدى الرقابة على العقود العامة.
لذا، سوف نقسم هذا الموضوع إلى قسمَين حيث يُعنى الأول بالهيئات المتخصصة بالدور الرادع للرقابة والثاني يتناول الهيئات المكلفة بالدور الواقي للرقابة.
 

القسم الأول
الهيئات المتخصصة بالدور الرادع للرقابة

تشكل الرقابة على أجهزة الدولة ومؤسساتها إحدى أسس النظام الديموقراطي وتطور الدولة الإدارية وسعيها إلى تفعيل دورها الخدماتي تجاه المواطن وحماية الأموال العامة وحسن إدارتها، من أجل ضمان الاستعمال الأمثل لموارد الدولة من قبل السلطة الإجرائية المعنية تأمين هذه الحقوق. وتتعدد الهيئات الرقابية في لبنان ومنها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد باعتبارها هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالَين الإداري والمالي. ويُعد ديوان المحاسبة بمثابة محكمة إدارية تتولى القضاء المالي مهمتها السهر على الأموال العمومية والأموال المودعة في الخزانة، وكذلك مجلس الخدمة المدنية تسمح اختصاصاته الرقابية بإبداء الرأي في قانونية التعيينات والتوظيفات ودرس شؤون الموظفين الذاتية ومراقبة معاملاتهم إضافة إلى مصرف لبنان10.
وسيتم تقسيم هذا العنوان إلى قسمَين يتناول الأول الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وديوان المحاسبة، أما الثاني فيتمحور حول مجلس الخدمة المدنية ومصرف لبنان.

 

أولاًً: الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وديوان المحاسبة
1. الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في القطاع العام
بعد انتفاضة العام 2019 ضد الفساد، صدر قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (القانون الرقم 175 تاريخ 8/5/2020)، وأُنشئت بموجبه الهيئة الوطنية لمكافة الفساد رسميًا. دخل القانون حيّز التنفيذ في 14 أيار من العام 2020 بعد نشره في الجريدة الرسمية. ويعكس إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في العام 2020 جزءًا من الوفاء بالتزامات لبنان حيال اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
نشير هنا إلى أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد هي هيئة إضافية تتمتع بصلاحياتٍ قريبة من صلاحيات التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية. وقد أنشئت تحت ضغط الشارع اللبناني إثر تظاهرات شعبية كبيرة حصلت في العامَين 2019 و2020، كما وتلبية لطلبات مؤسسات الأمم المتحدة المتعلقة بالفساد والداعية إلى وضع حد للفساد في الإدارة اللبنانية، بغية إعادة تركيز وضعه المالي إلى جانب وضعه الاقتصادي والأمني، إذ أن منطقة الشرق الأوسط ومنها لبنان مُقبلة على إجراءات تهدئة وازدهار واستقرار بمساعدة الدول الكبرى والصديقة للبنان.

 

• إنشاء الهيئة وتنظيمها
أ-    أُنشئت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد باعتبارها هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية الإدارية والمالية التي تكفلها المادة الخامسة11من قانون مكافحة الفساد، والتي تنص على أن تنشأ هيئة إدارية مستقلة تسمى بـ «الهيئة الوطنية لـمكافحة الفساد»، تتمتع بالشخصية الـمعنوية والاستقلال الـمالي والإداري، ويشار إليها في هذا القانون بـ «الهيئة».
ب-    يؤدي أعضاء الهيئة والـموظفون وسائر العاملين لديها مهامهم باستقلالٍ كامل عن أي سلطة أخرى في إطار أحكام هذا القانون. ولتجنّب أي تضارب في المصالح، يجب على جميع الأعضاء: ألا ينتسبوا إلى أي حزب سياسي أو يترشحوا للانتخابات أو يشغلوا أي منصب آخر خلال فترة ولايتهم. ويُمنَحون الحصانة القانونية.

 

• تشكيل الهيئة
أ-    تُشكل الهيئة من ستة أعضاء بمن فيهم الرئيس ونائب الرئيس ويعينون بمرسومٍ يُتخذ في مجلس الوزراء لـمدة ست سنوات غير قابلة للتجديد.
ب-    يتم اختيار الأعضاء من بين الأشخاص ذوي السيرة الأخلاقية العالية الـمشهود لهم بالنزاهة، والكفاءة العلـمية والخبرة، بناءً على سيرة ذاتية موثقة، على أن تتوفر في الـمرشح الشروط الواجبة لتعيين موظفي الفئة الأولى، وعلى أن تتوفر الشروط الإضافية الآتية:
- ألا يقل عمر الـمرشح عن الأربعين عامًا ولا يتجاوز الرابعة والسبعين عامًا لدى التعيين.
- ألا يكون عند التعيين وخلال الخمس السنوات السابقة متوليًا أي منصب سياسي أو حزبي، ولا يكون حاليًا وخلال الفترة الـمذكورة عضوًا في أي جمعية تمارس العمل السياسي أو عضوًا في أحد الأحزاب.
- ألا يكون في أي حالة من حالات التمانع الـمنصوص عليها في الـمادة 7 12 أدناه أو مرشحًا لها.
ج-    تشكل الهيئة على النحو الآتي13:
- قاضيان متقاعدان بمنصب الشرف، يتم انتخابهما وفق الأصول التي ترعى انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى، على أن تتألف الهيئة الناخبة من مجمل القضاة الأصيلين في القضاء العدلي والإداري والـمالي، وعلى أن تتم الدعوة والإشراف على الانتخابات من قبل القاضي الأعلى درجة من بين رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس شورى الدولة ورئيس ديوان الـمحاسبة. يرفع وزير العدل اسمَي القاضيَين الـمنتخبَين إلى مقام مجلس الوزراء.
- محام أو حقوقي من بين أربعة أسماء يرشح اثنَين منهم مجلس نقابة الـمحامين في بيروت واثنَين مجلس نقابة الـمحامين في طرابلس.
- خبير محاسبة، من بين ثلاثة أسماء يرشحها مجلس نقابة خبراء الـمحاسبة الـمجازين في لبنان.
- خبير في الأمور الـمصرفية أو الاقتصادية من بين ثلاثة أسماء ترشحهم هيئة الرقابة على الـمصارف.
- خبير في شؤون الإدارة العامة أو الـمالية العامة أو مكافحة الفساد من بين ثلاثة أسماء يرشحهم وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية.
د-     يشترط في الأعضاء الخبراء الـمنصوص عليهم أعلاه حيازة شهادات عليا، ماجيستر وما فوق في اختصاصهم بالإضافة إلى خبرة لا تقل عن عشر سنوات14.

 

• مهام وصلاحيات الهيئة
تعريف مهام الهيئة
أ-    تعمل الهيئة على مكافحة الفساد والوقاية منه وكشفه، وعلى تطبيق الاتفاقيات والـمعاهدات الدولية ذات الصلة التي يكون لبنان منضمًًا إليها، وأداء الـمهام الخاصة الـمناطة بها الـمحددة في هذا القانون وغيره من القوانين.
ب-    بشكلٍ خاص، تُناط بالهيئة الـمهام الآتية وفق أحكام هذا القانون15:
- تلقي الكشوفات التي تردها والـمتعلقة بالفساد، استقصاء جرائم الفساد، ودرسها وإحالتها عند الاقتضاء إلى سائر الهيئات الرقابية والتأديبية والقضائية الـمختصة.
- رصد وضع الفساد وكلفته وأسبابه وجهود مكافحته والوقاية منه في ضوء القوانين النافذة والسياسات الـمعتمدة والاتفاقيات الثنائية والـمتعددة الأطراف الـملزمة ووضع التقارير الخاصة أو الدورية في هذه الشؤون ونشرها في الجريدة الرسمية وعلى موقعها الإلكتروني.
- إبداء الرأي، عفوًا أو بناء لطلب الـمراجع الـمختصة، في التشريعات والـمراسيم والقرارات ومشاريعها والسياسات والاستراتيجيات الـمتعلقة بمكافحة الفساد والوقاية منه.
- الـمساهمة في نشر ثقافة النزاهة في الإدارات والـمؤسسات العامة والـمجتمع والـمعارف اللازمة لـمكافحة الفساد والوقاية منه.
ج-    تتولى الهيئة الـمهام التي تنيطها بها القوانين كافة بالإضافة إلى الـمهام الآتية:
- تلقي التصاريح عن الذمة الـمالية وحفظها وإدارتها والتدقيق بها وفق أحكام قانون الإثراء غير الـمشروع.
- حماية كاشفي الفساد وتحفيزهم وفق أحكام قانون حماية كاشفي الفساد.
- استلام الشكاوى الـمتعلقة بعدم تطبيق قانون الحق في الوصول إلى الـمعلومات والتحقيق فيها وإصدار قرارات بشأنها، إبداء الـمشورة للسلطات الـمختصة حول تنفيذ القانون ووضع تقرير سنوي بشأنه ونشره، والـمشاركة في تثقيف الـمجتمع لترسيخ هذا الحق.
د-    تمارس الهيئة مهامها في إطار مبادئ الحوكمة الرشيدة وتتعاون مع الإدارات والـمؤسسات العامة وهيئات الـمجتمع الـمدني والقطاع الخاص والإعلام ومع الـمنظمات الإقليمية والدولية ونظرائها من الدول الأخرى.

 

صلاحيات الهيئة16
تتمتع الهيئة بالصلاحيات الآتية: استقصاء جرائم الفساد، عفوًا أو بناء على ما تتلقاه من كشوفات، ولها، خلافًا لأي نص آخر، أن تطلب مساعدة الضابطة العدلية ومعاونيها لجهة الحصول عـلـى الـمعلومات الـمتوافرة لديها مع الاحتفاظ بسريتها. إذا ارتأت الهيئة خلال الاستقصاءات التي تقوم بها أنه من الضروري التحقيق في حسابات مصرفية معينة، لها أن توجه طلبًا معللًا إلى هيئة التحقيق الخاصة الـمنصوص عليها في القانون الـمعجل الرقم 44/2015 الـمتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لتمارس هذه الأخيرة صلاحياتها الـمنصوص عليها في القانون الـمذكور. في حال قررت هيئة التحقيق الخاصة رفع السرية الـمصرفية عن الحسابات الـمعنية، يتم ذلك لصالح الهيئة أيضًا. تبلّغ هيئة التحقيق الخاصة إلى الهيئة الوطنية لـمكافحة الفساد في أسرع وقت ممكن.

 

المادة 21 صلاحيات الإحالة17
بنتيجة أعمال الاستقصاء تتخذ الهيئة أي من القرارات الآتية:
- حفظ الـملف إذا تبين أنه لا يستدعي الـملاحقة القضائية أو التأديبية أو أي تدبير آخر.
- الإحالة إلى النيابة العامة الـمختصة التي عليها أن تطلع الهيئة على سير الاستقصاء والتحقيق اللذَين تقوم بهما ونتيجتهما، وإذا قررت النيابة العامة حفظ الـملف، للهيئة أن تطلب منها التوسع في التحقيق.
- الادعاء مباشرة أمام القضاء الـمختص للـمطالبة بمعاقبة الـمرتكبين والحكم بالالتزامات الـمدنية لصالح الدولة. وللهيئة الطعن أصولًا في القرارات الصادرة بهذا الشأن ضمن الـمهل الـمنصوص عليها قانونًا.
- التقدم بالدعاوى والـمراجعات اللازمة أمام الجهات القضائية أو الإدارية الـمختصة، للـمطالبة بإعادة الحال إلى ما كانت عليه واسترداد الأموال والتعويضات، نتيجة أعمال فساد ثبتت صحتها بقرارٍ إداري أو قضائي مبرم.

2. ديوان المحاسبة


تمت الإشارة إلى ديوان المحاسبة في المادة 87 من الدستور اللبناني في العام 1926، ولكنه لم يبصر النور إلا في المادة 223 من قانون المحاسبة العمومية، هو قضاء مالي يعالج المشاكل ويبت بالقضايا الناجمة عن هدر المال العام سواء أكان صدر عن موظفين في الإدارة أم عن مسؤولين معينين أو منتخبين أو أشخاص ثالثين متعاملين مع الإدارة، ونتج عن أدائهم وتعاملهم سوء إدارة للمال العام أو هدره.
إن ديوان المحاسبة أنشىء بموجب المادة 223 من قانون المحاسبة العمومية الصادر في العام 1951، وقد اقتصرت صلاحياته عندئذ على الرقابة المؤخرة على تنفيذ الموازنة العامة، إلّا أنه أعيد النظر في تنظيم الديوان وتوسيع صلاحياته بموجب عدة نصوص تشريعية لاحقة، منها المرسوم الاشتراعي الرقم 118 تاريخ 12/6/1959 والمرسوم الرقم 7366 تاريخ 18/8/1961 والمرسوم الاشتراعي الرقم 82 تاريخ 16/9/1983 وتعديلاته.
قضت المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي 82/83 بتعريف الديوان وتحديد مهامه، وبــ «أن ديوان المحاسبة محكمة إدارية تتولى القضاء المالي، مهمتها السهر على الأموال العمومية والأموال المودعة في الخزانة، وذلك بمراقبة استعمال هذه الأموال...، ومحاكمة المسؤولين عن مخالفة القوانين والأنظمة المتعلقة بها».
إن ديوان المحاسبة محكمة إدارية مستقلة عن السلطتَين التنفيذية والتشريعية، ولكنها ترتبط إداريًا برئيس مجلس الوزراء وهي مؤلفة من قضاة، نيابة عامة وعدة غرف، ولها وظيفتان:
- وظيفة إدارية يمارسها بإجراء الرقابة المسبقة والمؤخرة لتنفيذ الموازنة العامة.
-وظيفة قضائية وتشمل الرقابة على الحسابات والموظفين الذين يتولون إدارة الأموال العمومية.18
إذًا، إن ديوان المحاسبة هو جهاز متخصص في رقابة ومحاكمة وفرض العقوبات المسلكية على الموظفين الذين يتولون إدارة الأموال العمومية19، فنصت المادة 60 المعدلة في العام 2024 على أن «يعاقب بالغرامة من مليار ونصف ليرة لبنانية إلى خمسة عشر مليار ليرة لبنانية كل موظف ارتكب أو ساهم في ارتكاب إحدى المخالفات الواردة في هذه المادة، وذلك، بالإضافة إلى الالتزامات المدنية والعقوبات الجزائية والمسلكية الذي يمكن أن تقضي بها المراجع المختصة... والباقي من دون تعديل».20
بموجب القانون الرقم 132 على أن «يعاقب بالغرامة كل موظف ارتكب أو ساهم في ارتكاب إحدى المخالفات الواردة في هذه المادة: عقد نفقة خلافًا لأحكام القانون أو النظام ..» وإذا تبين للديوان أن المخالفة المرتكبة ألحقت ضررًا أو خسارة بالأموال العمومية أو المودعة في الخزانة، يصبح من حقه أن يعاقب الموظف علاوة على الغرامة المذكورة أعلاه بغرامةٍ تحسب بالنسبة إلى أهمية المخالفة المرتكبة ومقدار الراتب غير الصافي الذي يتقاضاه الموظف المخالف، في حال تقاضيه راتبًا أو إلى مقدار مخصصاته أو ما يماثلها في الحالات الأخرى (المادة 61 من نظام ديوان المحاسبة).
وأضافت المادة 62 على أنه يعفى الموظف من العقوبة إذا تم الرجوع عن العمل المؤدي إلى المخالفة قبل وضعه في التنفيذ أو إذا تبين من التحقيق أن المخالفة ارتكبت تنفيذًا لأمرٍ خطي تلقّاه من رئيسه المباشر، شرط أن يكون قد لفت نظر هذا الرئيس خطيًا إلى المخالفة التي قد تنتج عن تنفيذ أمره. وفي هذه الحال، يحل الرئيس محل الموظف في المسؤولية ويعاقب ضمن الحدود المبينة في المادتَين 60 و61 من هذا المرسوم الاشتراعي.
يمارس الديوان صلاحياته القضائية بوصفه محكمة تتألف هيئتها من رئيس ومستشارَين اثنَين، فينظر بالمخالفة عفوًا أو بناء على طلب المدعي العام لديه ويسمح للموظف الذي يحاكم أمامه أن يستعين بمحامٍ يختاره، مع الإشارة إلى أن إنهاء خدمة الموظف لا تحول دون ملاحقته أمام ديوان المحاسبة.21
من جهة أخرى، قضت المادة 27 من المرسوم الاشتراعي 82/83 بأن للمدعي العام أن يطلب إلى النيابة العامة لدى محكمة التمييز أن تلاحق جزائيًا أي موظف يرى أنه ارتكب أو اشترك في إحدى الجرائم التي من شأنها أن تلحق ضررًا بالإدارة العامة أو بالأموال العمومية أو بالأموال المودعة في الخزانة، وتجري الملاحقة الجزائية من دون إجازة من السلطة الإدارية وتحاط الإدارة المختصة وإدارة التفتيش المركزي علمًا بالأمر.
إن الصلاحية القضائية التي يمارسها ديوان المحاسبة هي صلاحية استثنائية خاصة، ويجب تطبيقها حصرًا على ما شرعت له، من دون أن يجوز تطبيقها على سبيل القياس.22
لا بد من الإشارة إلى أن حدود صفة الموظف في خضوعه لرقابة ديوان المحاسبة القضائية تقف عند تولي إدارة الأموال العمومية ولا تتعداها إلى أعمال من لا يقوم بهذه الولاية، إذ أن ما يرتكبه هؤلاء الموظفون من مخالفات مهما كان تأثيرها في الأموال العمومية لا تقع تحت طائلة الرقابة القضائية التي يخضع لها الذين يتولون إدارة الأموال العمومية، وإنما تخضع للملاحقات الإدارية والتأديبية والقضائية العادية بحسب نوعها ووضعها.

 

تخضع لرقابة ديوان المحاسبة23
- إدارات الدولة.
- بلديات بيروت وطرابلس والميناء وبرج حمود وصيدا وزحلة - المعلقة وسائر البلديات التي أخضعت أو تخضع لرقابة ديوان المحاسبة بمرسومٍ يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء.
- المؤسسات العامة التابعة للدولة وتلك التابعة للبلديات الخاضعة لرقابة ديوان المحاسبة.
- هيئات الرقابة التي تمثل الدولة في المؤسسات التي تشرف عليها أو في المؤسسات التي تضمن لها الدولة حدًا أدنى من الأرباح.
- المؤسسات والجمعيات وسائر الهيئات والشركات التي للدولة أو البلديات أو المؤسسات العامة التابعة للدولة أو البلديات علاقة مالية بها عن طريق المساهمة أو المساعدة أو التسليف.
نشير هنا إلى أن الفرق الأساسي بين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وديوان المحاسبة هو أن هذا الأخير هو محكمة قضائية يصدر الأحكام والقرارات كالمحاكم العادية في القضايا المدنية إلى جانب نيابة عامة لدى الديوان تقوم بالتحقيق في الجرائم المالية، وتحيل المرتكب إلى المحاكم الجزائية في حال ارتكابه جرمًا جزائيًا.
أما الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد فهي هيئة إدارية وليست قضائية، إنما تقوم بالاستقصاء في جرائم الفساد في مختلف إدارات الدولة ومؤسساتها، وتحيل الأشخاص المرتكبين وملفاتهم إلى الهيئات الرقابية الإدارية والقضائية ولا تقوم بالمحاكمات وإصدار الأحكام والقرارات.
أما بالنسبة لقرارات ديوان المحاسبة القضائية، فقد نصت المادة 76 على ما يأتي «يمكن الطعن في قرارات الديوان القضائية النهائية، إما عن طريق إعادة النظر وإما عن طريق النقض»، وقد ورد في المادة 43 أنه «يمكن إعادة النظر في قرارات الديوان ضمن نطاق رقابته الإدارية المسبقة بناء على طلب الإدارة المختصة أو رئيس ديوان المحاسبة أو النيابة العامة لدى الديوان. تنظر في إعادة النظر الهيئة التي أصدرت القرار».
أما الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، فهي تحقق في ملفات الفساد وتحيل المرتكبين إلى النيابة العامة المختصة في الجرائم الجزائية المالية وتقيم الدعاوى أمام المحاكم المدنية المختصة لاسترداد الأموال التي شابها الفساد لصالح الدولة.
 

ثانيًا: مجلس الخدمة المدنية ومصرف لبنان
1. مجلس الخدمة المدنية

إن مجلس الخدمة المدنية هو الجهاز الرئيس الذي أناط به القانون اللبناني إدارة شؤون الوظيفة العامة في لبنان في كل مراحلها، ابتداء من عملية اختيار الموظفين إلى عملية تعيينهم وتدريبهم وإدارة شؤونهم، لحين صرفهم من الخدمة أو إحالتهم على التقاعد.
فهو جهاز إداري مركزي متخصص يقوم بدورٍ بالغ الأهمية لناحية الإشراف على شؤون الوظيفة العامة وإدارتها، لا سيما بعد تزايد عدد الوزارات والمؤسسات العامة والبلديات في لبنان، وبالتالي تزايد وتنامي عدد الموظفين العموميين والعاملين في القطاع العام، الأمر الذي بات ولا شك يتطلب المزيد من الرعاية والاهتمام.
هو منظمة أنجلوسكسونية في الأصل، أنشئت في إنجلترا منذ عهد طويل وأعطت أحسن النتائج.24
أنشأ المشترع هذا المجلس في لبنان بالمرسوم الاشتراعي الرقم 114 تاريخ 12/6/1959، وأُلحق بمجلس الوزراء بغية أن يجعل الموظف في غنى من المؤثرات السياسية والمحسوبية، بإعطائه الضمانات اللازمة في تعيينه، ترقيته، نقله، تأديبه، صرفه من الخدمة وسائر شؤونه الذاتية، وأن يرفع مستواه المسلكي25 بأداء الوظيفة وتدرّبه في أثناء الخدمة.26
وهو يقدّم لمجلس الوزراء عند درس الموازنة السنوية الآراء والاقتراحات بشأن الاعتمادات المخصصة للموظفين والنفقات الإدارية في مختلف الإدارات العامة والمؤسسات العامة، كما أنه يقدّم الاقتراحات بتعديل القوانين والأنظمة المتعلقة بتنظيم الإدارات العامة وأساليب عملها وتحديد عدد الوظائف فيها (المادة 9 من المرسوم المذكور).
وتشمل اختصاصات مجلس الخدمة المدنية جميع الإدارات والمؤسسات العامة وموظفيها والبلديات الكبرى (بيروت، طرابلس، ميناء طرابلس، بعبدا، برج حمود، النبطية وصيدا)، وكذلك البلديات التي تخضعها الحكومة لرقابته بمرسومٍ يتخذ في مجلس الوزراء.
يتألف مجلس الخدمة المدنية من إدارتَين ومن هيئة، ومن مديرية إدارية مشتركة، وموظفين إداريين (رؤساء مصالح، مراقبين أو مراقبين أول، رؤساء دوائر، رؤساء أقسام، محررين، كتبة،...)
أ-    الإدارتان هما: إدارة الموظفين، وإدارة الأبحاث والتوجيه (كانت قبل 25/5/2000 إدارة الإعداد والتدريب) ويرأس كلًا منهما موظف إداري من الفئة الأولى أي برتبة مدير عام.27
ب-    أما الهيئة فهي مؤلفة من:
- رئيس مجلس الخدمة المدنية، رئيسًا.
- رئيس إدارة الموظفين، عضوًا.
- رئيس إدارة الأبحاث والتوجيه، عضوًا.
وفي العام 2000، تم إنشاء معهد الإدارة العامة ذات شخصية معنوية واستقلالَين مالي وإداري، ويخضع لوصاية مجلس الخدمة المدنية ومهمته:
- إعداد موظفين للإدارات العامة على مستوى فئات الملاك الإداري العام: الثانية، الثالثة والرابعة – رتبة أولى.
- تدريب موظفي الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات المشمولة بصلاحيات مجلس الخدمة المدنية.
- الاتصال بمعاهد الإدارة العامة في الدول العربية والأجنبية التي ترتبط مع الدولة اللبنانية باتفاقيات تبادل الثقافة والمعلومات.
- إقامة الاجتماعات والندوات والأبحاث والدراسات في مختلف فروع الإدارة العامة.
- إصدار النشرات والكتب والمجلات وسائر المطبوعات التي تهم الإدارة العامة وتعالج مشاكلها.
كما تم استبدال إدارة الإعداد والتدريب، وحل محلها إدارة الأبحاث والتوجيه التي كانت تؤلف جزءًا من إدارة التفتيش المركزي، ومن هيئة التفتيش المركزي بالذات، بمقتضى المرسوم الاشتراعي الرقم 115 تاريخ 12/6/1959.


ج-    أما الموظفون الإداريون فهم محددون في ملاك مجلس الخدمة المدنية الصادر بالمرسوم التطبيقي للقانون الرقم 8337 تاريخ 30/12/1961 وتعديلاته، تنظيم مجلس الخدمة المدنية، مع مهامهم وصلاحياتهم كافة.
    يرتبط مجلس الخدمة المدنية إداريًا برئاسة مجلس الوزراء، وهذا ما نصت عليه المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي الرقم 114 تاريخ 12/6/1959، وذلك لتحديد ارتباطه بمرجعيةٍ سياسية فقط، بدليلٍ أن القضايا التي يختلف فيها مجلس الخدمة المدنية مع الوزراء عامة، وحتى مع رئاسة مجلس الوزراء في القضايا التي نصت عليها المادة 97 من نظام الموظفين، لا يحسمها مجلس الوزراء، وإنما تُعرض على مجلس الوزراء للبت فيها.
يمارس مجلس الخدمة المدنية الصلاحيات التي تنيطها به القوانين والأنظمة، ويسعى من خلال جهازه البشري المتخصص في كل من إدارتَي الموظفين والإعداد والتدريب إلى رفع مستوى الموظفين المسلكي، لا سيما عن طريق إعدادهم للوظيفة وتدريبهم في أثناء الخدمة.
أما هذه المهام الواسعة الصلاحية فتتولاها أجهزته الآتية:
- هيئة المجلس.
- إدارة الموظفين.
- إدارة الأبحاث والتوجيه، حلّت محل إدارة الإعداد والتدريب الملغاة بموجب المادة الأولى من هذا القانون بمقتضى أحكام المادة التاسعة من القانون الرقم /222/ تاريخ 29/5/2000.
- المديرية الإدارية المشتركة.
نشير إلى أنه من ضمن المهام التي يقوم بها مجلس الخدمة المدنية، مهمة تأديب الموظفين والتحقيق معهم وإحالتهم إلى الهيئة العليا للتأديب وطلب صرفهم، فيكون بذلك ثالث هيئة رقابية بعد الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وديوان المحاسبة ولو بطرقٍ مختلفة.

2. مصرف لبنان؛ هيئة التحقيق الخاصة شؤون مصرفية
إن القانون الرقم ٤٤ تاريخ 24/11/2015 إضافة إلى القانون الرقم 32 تاريخ 16/10/2008 28، أعطى لمصرف لبنان صلاحية إصدار التنظيمات اللازمة والمتعلقة بمكافحة تبييض الأموال ومكافحة الفساد، والذي بموجبه أصدر هذا الأخير تعميمًا خاصًا بهذا الخصوص موجهًا إلى المصارف وسائر المؤسسات الخاضعة لرقابة مصرف لبنان.

 

هيئة التحقيق الخاصة29
تنص الفقرة 2 المادة 6 من قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب الرقم 44 تاريخ 2015/11/24 على «أن تتولى هيئة التحقيق الخاصة مهمة التحقيق في العمليات موضوع الإبلاغات وطلبات المساعدة التي تتلقاها من الجهات الملزمة بالإبلاغ، والتي يُشتبه بأنها تشكل جرائم تبييض أموال أو جرائم تمويل إرهاب»، كما تنص على «أن من ضمن مهام الهيئة إصدار النصوص التنظيمية المتعلقة بتطبيق أحكام القانون 44 وإصدار توصيات للجهات المعنية كافة. وإنفاذًا لذلك، أرسلت هيئة التحقيق الخاصة في مطلع العام 2019 إلى جميع المصارف العاملة في لبنان تقريرًا يتضمن مؤشرات مرتبطة بالفساد، تم إعدادها من قبل «مجموعة إغمونت» Group Egmont30، وبذلك تكون هيئة التحقيق الخاصة حاملة للرقم أربعة من ضمن سلسلة هيئات التحقيق التي تعنى بالكشف على الفساد وهدر المال العام في لبنان.


القسم الثاني
الهيئات المكلفة بالدور الرادع للرقابة

إن الهدف من إنشاء المؤسسات الرقابية هو تعزيز الرقابة، وفي مقدمتها التفتيش المركزي الذي تشمل صلاحياته جميع الإدارات والمؤسسات العامة، والهيئة العليا للتأديب التي تشمل صلاحياتها جميع فئات موظفي الإدارات العامة والمؤسسات العسكرية وأنواعهم، والتفتيش القضائي والهيئة التأديبية الخاصة بالبلديات بما يضمن فعاليتها واستقلاليتها. لذا سوف نتناول هذه الأجهزة في ثلاثة فروع على النحو الآتي:

 

أولاًً: التفتيش المركزي والهيئة العليا للتأديب
1. التفتيش المركزي31
• إنشاء التفتيش المركزي


أُنشئ لدى رئاسة الوزارة تفتيش مركزي تشمل صلاحياته جميع الإدارات العمومية والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة والبلديات، والذين يعملون في هذه الإدارات والمؤسسات والمصالح والبلديات، بصفةٍ دائمة أو مؤقتة، من موظفين أو مستخدمين أو أجراء أو متعاقدين، وكل من يتناول راتبًا أو أجرًا من صناديقها، وذلك ضمن أحكام النصوص التي يخضعون لها. ويمكن للحكومة، بمرسومٍ يُتخذ في مجلس الوزراء، أن تخضع لسلطة التفتيش المركزي بصورةٍ دائمة أو طارئة سائر المؤسسات الخاضعة لمراقبة ديوان المحاسبة. لا يخضع القضاء، الجيش، قوى الأمن الداخلي والأمن العام لسلطة إدارة التفتيش المركزي إلا في الحقل المالي وضمن الحدود المنصوص عليها في قوانينها الخاصة32.


• المهام الأساسية للتفتيش المركزي
يتولى التفتيش المركزي33:
- مراقبة الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات بواسطة التفتيش على اختلاف أنواعه.
- السعي إلى تحسين أساليب العمل الإداري.
- إبداء المشورة للسلطات الإدارية عفوًا أو بناء لطلبها.
- تنسيق الأعمال المشتركة بين عدة إدارات عامة.
- القيام بالدراسات والتحقيقات والأعمال التي تكلفه بها السلطات.

 

• اختصاصـات الهيئـة
في المـادة 11، تتناقش الهيئة وتقرر في جميع القضايا التي تنيطها بها القوانين والأنظمة النافذة أو يعرضها عليها رئيسها، وخاصة في:
- إحالة المفتشين العامين والمفتشين والمفتشين المعاونين إلى المجلس التأديبي، والموافقة على التعاقد مع خبراء لبنانيين أو أجانب، ضمن حدود الاعتمادات المرصدة في الموازنة.
- القضايا المتعلقة بالإدارات والمؤسسات العامة، تقديم الآراء والاقتراحات إلى مجلس الوزراء في شأن إعادة تنظيم الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات وتحسين أساليب العمل فيها.
- القضايا الأخرى:
أ-    البت في برامج التفتيش السنوية في جميع الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات.
ب-    البت في العقوبات الواجب فرضها على الموظفين الذين يدينهم التفتيش.

 

• اختصاصات رئيـس إدارة التفتيـش المركـزي34
في المادة ١٥، يضع برامج التفتيش السنوية أو الاستثنائية وفق أحكام الفقرة 4 من المادة 12.
- يشكل لجانًا تفتيشية ويختار أعضاءها من بين المفتشين العامين والمفتشين، ويحدد مهمتها والمدة التي يجب أن تنهي فيها أعمالها على أن لا تتجاوز 3 أشهر قابلة للتمديد 3 أشهر أخرى بقرارٍ من الهيئة.
- يتولى شخصيًا التحقيق والتفتيش مع موظفي الفئة الأولى وعضوَي الهيئة.
- يعرض تقارير التفتيش مع مطالعته على الهيئة.
إن التفتيش المركزي هو هيئة إدارية خامسة مولجة إجراء التفتيش على جميع إدارات الدولة اللبنانية ووزاراتها.

 

2. الهيئة العليا للتأديب
أنشئ المجلس التأديبي العام للموظفين35 بموجب القانون الرقم 54/65 تاريخ 2/10/1965 والمعروف بقانون التطهير، وليس من باب المصادفة أن يكون المجلس المذكور قد أنشئ بموجب النص ذاته الذي تضمّن أحكامًا خاصة تتعلق بصرف الموظفين وإحالتهم على التقاعد وملء المراكز الشاغرة. لقد اعتبرت الحكومة آنذاك ومعها المشترع أن عملية التطهير لا يمكن أن تكون آنية، وتنتهي بانتهاء المهلة المعطاة للموظفين لطلب صرفهم من الخدمة أو إحالتهم على التقاعد، أو بممارسة الحكومة صلاحيتها بصرف الموظفين أو إحالتهم على التقاعد، بل هي عملية مستمرة لا تتسم بطابعٍ ظرفي، وقد أشارت الأسباب الموجبة لمشروع القانون في حينه إلى ضرورة عدم التوقف في تقويم الإدارة عند نهاية المهلة المحددة، بل المعني في توفير الإدارة الصالحة لخدمة المصلحة العامة، وهي الغاية التي هدفت الحكومة في حينه إلى تحقيقها بإنشاء المجلس التأديبي العام الذي باشر مهامه في تموز 1967. 36
تشمل صلاحياته النظر في المخالفات المنسوبة لموظفي الإدارات العامة وموظفي ومستخدمي البلديات والمؤسسات العامة، باستثناء الفئات التي تخضع بحكم القانون لسلطة مجالس تأديبية خاصة بالنظر لطبيعة مهامها وهي:
- أعضاء هيئتَي مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي.
- القضاة.
- رجال الجيش، قوى الأمن الداخلي، الأمن العام، أمن الدولة، الضابطة الجمركية والموظفين المدنيين الملحقين بالأجهزة العسكرية المذكورة.
- أفراد الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية.
إن هذه الهيئة تتفرغ للنظر بصورةٍ دائمة بالمخالفات التي يحال الموظف عليها، وتتخذ بحقهم العقوبات اللازمة، فإنها تمارس رقابة إدارية رادعة من شأنها إصلاح الاعوجاج والانحراف بين صفوف الموظفين، وجعلهم يقومون بواجباتهم على الوجه المطلوب، ولقد حرص المشترع على ربطها بأعلى سلطة تنفيذية وهي رئاسة مجلس الوزراء37.
تتألف الهيئة العليا للتأديب من رئيس وعضوَين متفرغَين يعيّنون بمرسومٍ يتخذ في مجلس الوزراء، ومن عضوَين احتياطيَين غير متفرغَين لإكمال عضوية الهيئة في حال مرض أو تغيّب أو تنحّي أحد أعضائها، ويمكن تعيين رئيس الهيئة العليا من بين القضاة العدليين من الدرجة السابعة على الأقل أو القضاة الإداريين من الدرجة التي توازيها، بناء على اقتراح وزير العدل أو من بين موظفي الفئة الأولى38، ويقوم بوظيفة مفوض حكومة لدى الهيئة العليا للتأديب مفتش عام من ملاك التفتيش المركزي.
تنص المادة 13 من القانون الرقم 54/65 تاريخ 2/10/1965 على أن تتولى الهيئة النظر بصورةٍ دائمة بالمخالفات التي يرتكبها الموظف والتي يحال أمامها بسببها.
تشكل من هيئتَي مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي، أو مجلس هيئة التفتيش القضائي في ما يخصه، هيئة موحدة تتولى النظر في الوضع الوظيفي الخاص بكل موظف أو مستخدم خاضع لسلطة المجلس التأديبي العام، وذلك لجهة عدم الكفاءة المسلكية أو عدم الأهلية أو العجز الصحي39.
يرأس الهيئة الموحدة رئيس مجلس الخدمة المدنية ولا يكون اجتماعها قانونيًا إلا بحضور خمسة أعضاء بما فيهم رئيس مجلس الخدمة المدنية ورئيس التفتيش القضائي، وتتخذ قراراتها بأكثرية أربعة أصوات على الأقل وبالاقتراع السري40.
ينشأ لدى رئاسة مجلس الوزراء هيئة عليا للتأديب تتفرغ للنظر بصورةٍ دائمة بالمخالفات التي يحال عليها بسببها الموظف بالمفهوم المحدد في ما يأتي:


سلطة هذه الهيئة تشمل:
أ-    جميع العاملين في الإدارات العامة، البلديات، المؤسسات العامة والمصالح المستقلة التابعة للدولة والبلديات، من موظفين ومستخدمين دائمين ومؤقتين ومتعاقدين على أنواعهم وأجراء ومتعاملين، ويحق للهيئة أن تنزل بهم العقوبات كافة الواردة في سلاسل العقوبات الخاصة بهم41.
ب-    تستثنى من سلطة الهيئة فئات الموظفين الآتية التي تخضع بحكم القانون لسلطة مجالس تأديبية خاصة بالنظر لطبيعة مهامها:
1. أعضاء هيئتَي مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي.
2 .القضاة.
3. رجال الجيش، قوى الأمن الداخلي، الأمن العام، أمن الدولة، الضابطة الجمركية والمدنيين العاملين في هذه القطاعات.
4. ­أفراد الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية.
5. جميع فئات وأنواع موظفي ومستخدمي المصالح المستقلة والمؤسسات العامة التابعة للدولة أو البلديات المشار إليها في الفقرة ج أدناه.
ج-    جميع فئات وأنواع موظفي ومستخدمي البلديات الخاضعة لرقابة ديوان المحاسبة وسائر البلديات التي تخضع لأحكام هذا القانون بمرسومٍ يتخذ في مجلس الوزراء.

مع الهيئة العليا للتأديب، نكون قد أصبحنا أمام الجهاز الرقم ستة لمكافحة الفساد لدى الإدارات والمؤسسات العامة في لبنان، والسؤال المزمن المتعاظم، ما هي النتيجة؟ وأين أصبحنا في مكافحة الفساد؟ فالمسؤولون يعظون ويهددون من على منابر الاحتفالات والمناسبات، فتنتهي الفعالية وكل يعود إلى مكتبه. وفي اليوم التالي، يبدأ انهيار جديد ومعه يفتح باب الارتزاق من جديد الذي لولاه لا تنجز معاملة لدى معظم الدوائر خدمة للمواطنين، كل هذا حدا بفخامة الرئيس إلى الانتقال شخصيًا للإطلاع عن كثب على سير هذه المرافق واستمراريتها لتحسين الأداء والخدمات بكل مصداقية وشفافية بهدف تأمين الخير العام.


ثانيًا: التفتيش القضائي والهيئة التأديبية الخاصة بالبلديات


1. التفتيش القضائي
بموجب المادة 98 من قانونَي القضاء العدلي الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي الرقم 150 تاريخ 16/9/1983 وتعديلاته: «تتولى هيئة التفتيش مراقبة حسن سير القضاء وأعمال القضاة وموظفي الأقلام ولفت نظر السلطات إلى ما تراه من خلل في الأعمال وتقديم الاقتراحات الرامية إلى إصلاحه، وصلاحيات تأديبية»42.


أ-    المادة 98: تتولى هيئة التفتيش القضائي:
- مراقبة حسن سير القضاء وأعمال القضاة وموظفي الأقلام وسائر الأشخاص التابعين لها.
- لفت نظر السلطات إلى ما تراه من خلل في الأعمال وتقديم الاقتراحات الرامية إلى إصلاحه.
- الصلاحيات التأديبية المنصوص عنها في القانون تجاه القضاة وموظفي الأقلام والدوائر المركزية في وزارة العدل. أضيفت إلى نص المادة 98 الفقرة الآتية، بموجب المرسوم الاشتراعي الرقم 22 تاريخ 23/3/1985.
- لفت نظر من يتناولهم التفتيش بما يظهر من خلل في سير أعمالهم. أضيفت إلى المادة 98 بموجب المادة 10 من القانون الرقم 389 تاريخ 21/12/2001، في الفقرتَين الآتيتَين.
- توجيه التنبيه عند الاقتضاء إلى القضاة والموظفين.
- الاقتراح على مجلس القضاء الأعلى اتخاذ التدبير المناسب بحق أي قاض43.
ب-    المادة 99: تتألف هيئة التفتيش القضائي من رئيس وأربعة مفتشين عامين وستة مفتشين. يؤلف الرئيس والمفتشون العامون مجلس الهيئة. يكون للهيئة قلم قوامه مساعدون قضائيون، ويطبق عليهم نظام الأقلام في الدوائر القضائية44.
ج-    المادة 100: عُدّل نص المادة 100 بموجب المادة 38 من المرسوم الاشتراعي الرقم 22 تاريخ 23/3/1985، وبالمادة 11 من القانون الرقم 389 تاريخ 21/12/2001 على الوجه الآتي: يعين رئيس هيئة التفتيش القضائي بمرسومٍ يُتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل من بين القضاة العدليين من الدرجة الرابعة عشرة فما فوق، أو ما يوازي هذه الدرجة في ملاك مجلس شورى الدولة وملاك ديوان المحاسبة.

 

2. الهيئة التأديبية الخاصة بالبلديات: 
الهيئة التأديبية الخاصة بالبلديات: المادة 103 وما يليها من المرسوم الاشتراعي الرقم 118 تاريخ 30/6/1977 وتعديلاته، تتولى ملاحقة رئيس المجلس البلدي أو نائبه أو العضو الذي يتولى أعمال السلطة التنفيذية وتأديبه.
صحيح أننا هنا أصبحنا تحت الرقم ثمانية من مجمل عدد الهيئات الرقابية على الإدارة في لبنان مع التفتيش القضائي ذات الرقم سبعة والهيئة التأديبية الخاصة بالبلديات ذات الرقم ثمانية، إلا أن الأمر الجديد هنا هو أن التفتيش القضائي قد اتخد إجراءات مهمة في الفترة الأخيرة، إذ حوّل قاضيَين على المحاكم الجزائية بجرم الرشوة، وقد سجنا وصُرف أحدهما من السلك القضائي وآخر حُوّل للمحاكمة أمام المحاكم الجزائية، كما أن التفتيش القضائي يدرس أربعين ملفًا لقضاةٍ يشتبه في تورطهم بتقاضي الرشاوى، فعسى أن تكون هذه الخطوة نذيرًا جريئًا في وضع حد للتجاوزات ومثالًا لباقي الأجهزة الرقابية في بداية العهد الجديد في لبنان.


ثالثًا: قانون الشراء العام (في العام 2021)
تنبع أهمية الشراء العام/التوريد/الصفقات في لبنان من كونه يمثّل 20% من النفقات العامة على المستوى المركزي من دون احتساب المؤسسات العامة والبلديات، فالحكومات هي الشاري الأكبر ما يجعل الشراء العام بابًا خطيرًا للهدر والفساد.
بعد محاولات دامت أكثر من عشر سنوات من دون النجاح في إقرار قانون عصري وشامل، يرعى الشراء العام والرقابة والتدقيق عليه وفق المعايير الدولية، صدر بتاريخ 19/7/2021 القانون الرقم 244 قانون الشراء العام ودخل حيز التنفيذ في 29/6/2022. وقد تم تعديل بعض أحكامه في العام 2023.

 

1. نشأة قانون الشراء العام
- في العام 2019 وبالتعاون مع البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية، أطلقت وزارة المالية مسارًا جديدًا بغية تقييم منظومة الشراء العام في لبنان، وذلك وفق منهجية دولية متخصصة. تم إنجاز مسح شامل لمنظومة الشراء العام في شهر تموز 2020 الذي ساهم فيه أكثر من مئة جهة وطنية من القطاعَين العام والخاص والمجتمع المدني. جاءت نتيجة التقييم الذي شمل أربعة أركان في منظومة الشراء العام وهي: الإطار القانوني والتنظيمي والسياسي، والإطار المؤسسي والقدرة الإدارية، وعمليات الشراء وممارسات السوق، والمساءلة والنزاهة والشفافية.
- بفضل التعاون بين ديوان المحاسبة وإدارة المناقصات التي استُبدلت بهيئة الشراء العام والمعهد المالي والاقتصادي لدى وزارة المالية، ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، تم إعداد الوثائق التي تضمنت اقتراح قانون الشراء العام ودفاتر الشروط النموذجية وشروط تأهيل العارضين، وبعد إدخال التنقيحات اللازمة نتيجة استشارة الجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني بشأن اقتراح القانون في اللجان النيابية الفرعية، تم إقرار القانون بنسخته النهائية الأولى في 30/6/2021.
- بتاريخ 19/7/2021، تم إصدار قانون الشراء العام الرقم 244، وشكّلت هذه الخطوة إنجازًا إصلاحيًا تاريخيًًا في لبنان، وتحقّق بذلك المُخرَج الرقم 3.4 من المحصّلة الثالثة في الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، والتي تُعنى بـمنظومة شراء عام أقل عرضة للفساد، والتي لم يكن يُتوقّع تحقيقها بهذه السرعة، سيما أن هذا القانون تضمن الكثير من التحديثات الإيجابية، ولكنه بالمقابل شمل الكثير من الإشكاليات ما استدعى تقديم اقتراح قانون تعديلي أُقرّ بتاريخ 8/4/2023 وانقسمت حوله الآراء.
يتألف القانون من تسعة فصول و116 مادة قانونية، وهو يحترم المعايير الدولية في الشكل والمضمون، ويتكامل مع القوانين الأخرى التي أقرها لبنان ضمن جهود مكافحة الفساد ومع قانون الشراكة بين القطاعَين العام والخاص.
يرتكز القانون على ثمانية مبادئ45 للشراء العام مستقاة من التوصيات الاثني عشر الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD46 حول الشراء العام وهي تلبي حاجات الواقع اللبناني وتهدف إلى تصويب مقاربة الجهات الشارية للشراء العام وعملياته على المستويَين المركزي والمحلي، من أجل تحقيق أعلى من الشفافية والمهنية والاحتراف.

 

2. أهمية قانون الشراء العام
يُقدّر حجم الشراء العام على المستوى المركزي في الدولة اللبنانية بـ 20% من النفقات العامة و6.5% من الناتج المحلي47، تُستنتج احتمالية وجود الفساد من الابتعاد عن تطبيق المبادئ والقواعد الناظمة للصفقات العمومية48، والتي اعتمد اصطلاحًا على تسميتها باسم الشراء العام بعد صدور القانون الخاص به، والفساد في الشراء العام إنما هو نتاج الفساد السياسي.49


* ما هو نطاق تطبيق قانون الشراء العام الجديد؟ (المادتان الثانية والثالثة)
أخضع قانون الشراء العام الجديد لأحكامه جميع عمليات الشراء العام من لوازم وأشغال وخدمات، بما فيها الخدمات الاستشارية التي تقوم بها الجهات الشارية، وإدارات ومؤسسات وهيئات الدولة كافة التي تنفق المال العام لتأمين حاجاتها وتقديم الخدمات للمواطنين على المستويات كافة، سواء أكان تمويل العقد من أموال الموازنة أم الخزانة أم من قروض داخلية أو خارجية أم هبات غير مقيدة بشروط الواهب مع مراعاه أحكام المعاهدات والاتفاقيات الدوليه المبرمة مع الدولة اللبنانية. لا يجوز لأي جهة شارية في غير الحالات المنصوص عليها في هذا القانون القيام بأي عملية شراء إلا طبق أحكامه.
شمل قانون الشراء العام جميع عمليات الشراء من لوازم وخدمات وأشغال خلا العقود الإدارية التي تتعلّق بتفويض المرافق العامة والامتياز50، وتطبق أحكام هذا القانون على عقود الشراكة بين القطاعَين العام والخاص، في كل ما لا يتعارض مع قانون تنظيم الشراكه بين هذَين القطاعين الرقم 48 تاريخ 7/9/2017 وتعديلاته.
سنعدد في ما يأتي أبرز الجهات الخاضعة لقانون الشراء العام:
1- إدارات الدولة.
2- مؤسسات عامة.
3- هيئات إدارية مستقلة.
4- محاكم لديها موازنات خاصة.
5- هيئات، مجالس، صناديق.
6- هيئات ناظمة.
7- بلديات واتحادات البلديات.
8- أجهزة أمنية أو عسكرية والإدارات والوحدات التابعة لها.
9- بعثات دبلوماسية في الخارج.
10- شركات تملك فيها الدولة وتعمل في بيئة احتكارية.
11- المرافق العامة التي تديرها شركات خاصة لصالح الدولة.
12- أي شخص من أشخاص القانون العام ينفق مالًا عامًا.
كذلك تطبق أحكام هذا القانون على عمليات الشراء التي يجريها مصرف لبنان باستثناء طباعة النقد وإصدارها وتحويلاته (المادة 3).
وقد أنشأ هذا القانون هيئتَين جديدتَين هما:


- هيئه الشراء العام
استبدلت إدارة المناقصات51 التي كانت ضمن هيكلية التفتيش المركزي بهيئة الشراء العام، ونقل ملاكاتها والعاملين فيها إلى هيئة الشراء العام التي أُنشئَت بموجبه،52 وهي هيئة إدارية مستقلة، مركزها بيروت تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلالَين المالي والإداري، إذ لديها موازنة مستقلة، ولها الصفة والمصلحة القانونية للطعن بالقرارات المرتبطة بعمليات الشراء53، ومن أبرز مواردها المالية المساهمة المالية السنوية الخاصة التي تُدرج في فصل خاص ضمن باب رئاسة مجلس الوزراء في قانون الموازنة العامة للدولة، تُشكَّل من رئيس وأربعة أعضاء يعيّنون بمرسومٍ يُتّخَذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء54، وتحدد مدة ولايتهم بخمس سنوات قابلة للتجديد لمرةٍ واحدة فقط. وتتخذ الهيئة قراراتها بأغلبية أصوات الأعضاء الذين تتألف منهم قانونًا، ولا تخضع لأحكام النظام العام للمؤسسات العامة55، إنما إلى قانون الشراء العام ورقابة كل من ديوان المحاسبة المؤخرة والتفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية، وتُناط بهذه الهيئات مهام متنوعة، استراتيجية وإدارية وتنفيذية.
مدة ولايتها 5 سنوات قابلة للتجديد لمرةٍ واحدة فقط، وهي إضافة لكونها مركز بيانات، تشكّل فعليًا هيئة ناظمة تراقب الشراء العام وتساهم في تطويره، إذ تتنوع صلاحياتها بين استراتيجية وإدارية ورقابية نذكر منها: اقتراح السياسات العامة، إدارة وتشغيل المنصة الإلكترونية المركزية للشراء العام والشراء الإلكتروني، إصدار إرشادات وتوضيحات حول النصوص القانونية النافذة، كما وإصدار مستندات ونماذج معيارية (دفاتر الشروط النموذجية، ملفات التأهيل النموذجية...)، تجمع خطط الشراء السنوية الواردة من الجهات الشارية، وفق نموذج موحد يصدر عنها وتبويبها ونشرها وفق الأصول على المنصة الإلكترونية المركزية للشراء العام، حفظ قرارات الإقصاء في سجل علني خاص وتيويمه... علمًا أنها تستطيع وقف إجراءات الشراء عند وجود أي خلل، كما تراقب وتقيّم تطبيق النصوص القانونية والقواعد التي ترعى الشراء العام،... وغيرها من المهام.

 

- هيئه الاعتراضات
هي هيئة إدارية مستقلة مسؤولة عن البث بالشكاوى والاعتراضات التي تنشأ في مرحلة ما قبل توقيع العقد. أما أبرز أنواع الاعتراضات التي تقدّم أمام الهيئة فهي على نوعَين، وتتدرج على مستويَين: طلب إعادة النظر حسب أحكام الماده 105 وشكوى تقدّم أمام الهيئة حسب أحكام الماده 106.
لا تتمتع هذه الهيئة بالشخصية المعنوية، ولكنها هيئة إدارية مستقلة تقنية فنية لبتّ المراجعات والشكاوى خلال فترة ما قبل التعاقد، تتمتع بالمرونة اللازمة لاتخاذ قراراتها بالسرعة المطلوبة، وتُستأنف قراراتها أمام مجلس شورى الدولة.
إن أبرز نقطة جاء بها قانون الشراء العام لناحية منع حصول الفساد هي الحق المعطى لهيئة الشراء العام عند إجراء المناقصات، هو توقيف أي مناقصة وإلغائها في حال تبين للهيئة بأن شائبة تشوبها أو عيبًا شكليًا أو جوهريًا يطالها، إذ في ظل القانون السابق لم يكن هذا الحق عائدًا للهيئة، إذ كان العارضون يتفقون فيما بينهم، ويتآمرون على الهيئة عبر إعطاء الصفقة لأحدهم، على أن يدفع للعارض الآخر مبلغًا من المال في سبيل الانسحاب أو عدم إنقاص المبلغ المطروح في سبيل تحقيق المزيد من الأرباح على حساب الدولة التي تقوم بالمناقصة تأمينًا لحاجات الإدارات لديها، والهيئة لا حول ولا قوة لها، فكانت تقبل المناقصة من دون التمكن من إلغائها إذا ما علمت أن هناك تواطؤ بين العارضين، فكانت تساهم في إثرائهم على حساب مصلحة خزانة الدولة.


الخلاصة
إن بسط رقابة الهيئات الرقابية على مؤسسات الدولة ينبغي أن يتم على أرض صلبة وواقعية ومفهومة قائمة على معايير محلية ودولية، هذه الأرض يبدأ بناؤها من خلال بناء المؤسسات الإدارية في الدولة على أسس ومعايير حوكمة رشيدة، باعتناق مبادئها وخصائصها ليس في المؤسسات الخاضعة للرقابة فقط بل اعتماد هذه المبادئ والمعايير أيضًا داخل الهيئات الرقابية ذاتها، وصولًا إلى تحقيق تكامل مؤسساتي في الجهة الرقابية والجهة الخاضعة للرقابة، إن اعتماد مبدأ الحوكمة الرشيدة وإجراءات الاعتماد المؤسساتي في الجهات الرقابية والمؤسسات الخاضعة للرقابة يمكّن الهيئات الرقابية من بسط رقابتها بشكلٍ سلس ويسير، دعمًا للدور الأساسي لها في مكافحة الفساد الإداري والمالي. وإذا اعتُبر ديوان المحاسبة هو «عين الشعب على الدولة» كونه الجهاز الأعلى للرقابة المالية، فيقتضي ذلك تفعيل دوره عن طريق تعديل قانون المحاسبة ووضع نصوص قانونية واضحة وصريحة.
يعطي الديوان صلاحية ممارسة الرقابة على الأداء وتنظيم أصوله والرقابة على التنفيذ بالإضافة إلى توفير المرتكزات الضرورية، لإمكانية القيام بهذه الرقابة بصورةٍ ناجحة ...، بالتزامن مع صدور قانون الشراء العام. هو أحد أهم القوانين الإصلاحية ... ونرى ضرورة إجراء ورشة إصلاحية قانونية واسعة شاملة تشمل كل القوانين ذات الصلة...56
هناك إقرار تام بأن الفساد يعيق التطور-وهذا ما أكده كل المسؤولين في لبنان-57 وأنه مرض منتشر في جميع الدول وفي الأحجام والأنواع والمستويات كافة، إلا أنه يمكن علاجه عن طريق إيجاد حلول للمعالجة بالتعاون بين الدول فيما بينها لمواجهة التحديات التي تنجم عنه، والذي يتطلب بدوره تحولًا يمتد لأجيالٍ في إعداد نظام مؤسساتي متطور، من خلال توفر التخطيط وتسليح الأجيال بالثقة والنزاهة وتأسيس معايير وقواعد وإجراءات لوضع مثل هذه الحلول الجذرية لمكافحة الفساد، وكانت أبرز هذه الجهود الوثيقة الدولية الملزمة قانونًا لكثيرٍ من المجتمعات ومنها اللبناني وهي اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد للعام 2003، وصولًا إلى تركيز الجهود الدولية على مفهوم الحكم الرشيد وأنظمة النزاهة باعتبارها مكملات لمكافحة الفساد، نظرًا للدور الذي تؤديه هذه المفاهيم في تحقيق التنمية المستدامة وإرساء دائم للأمن والاستقرار في المجتمعات.

 


المصادر والمراجع 


باللغة العربية

• النصوص القانونية
1.    قانون القضاء العدلي الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي الرقم 150، تاريخ 16/9/1983 وتعديلاته.
2.    القانون الرقم 244، تاريخ 29/7/2021، قانون الشراء العام، المنشور في الجريدة الرسمية العدد 36، تاريخ 31/07/2019.
3.    المرسوم الرقم 4517، تاريخ 13/12/1972، النظام العام للمؤسسات العامة في لبنان، المنشور في الجريدة الرسمية، العدد 100، تاريخ 14/12/1972.
4.    المرسوم الاشتراعي الرقم 115 الصادر في 12 حزيران من العام 1959 التفتيش المركزي وتعديلاته.
5.    القانون الرقم 329، تعديل بعض مواد المرسوم الاشتراعي الرقم 83، تاريخ 16/9/1983، قانون تنظيم ديوان المحاسبة وتعديلاته، الجريدة الرسمية ملحق العدد 49، تاريخ 5/12/2024.
6.    المرسوم الاشتراعي الرقم 112/1959، تاريخ 12/6/1959، نظام الموظفين.
7.    قانون الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في القطاع العام الرقم 175 للعام 2020.
8.     القانون الرقم 222، تاريخ 29\5\2000، إنشاء مؤسسة عامة باسم المعهد الوطني للإدارة، والمرسوم الرقم 4329، تاريخ 25\10\2000، تحديد شروط تعيين وتعويضات وبعض مهام رئيس وأعضاء مجلس إدارة المعهد الوطني للإدارة.
9.     المرسوم الرقم 11044 تاريخ 27\9\2003، النظام الداخلي للمعهد الوطني للإدارة.
10.­    القانون الرقم 44 تاريخ 24/11/2015 إضافة إلى القانون الرقم 32، تاريخ 16/10/2008.
11.    قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب الرقم 44، تاريخ 2015/11/24.
12.    القانون الرقم 315 الصادر في 24/3/1994: تعديل القانون الرقم 54/65 في ما يتعلق بتأليف الهيئة العليا للتأديب، والمرسوم الرقم 7500 الصادر في 1/3/2002: تعديل المرسوم الرقم 5593، تاريخ 31/8/1994 تعديل ملاك الهيئة العليا للتأديب.
13.    المرسوم الاشتراعي الرقم 115 الصادر في 12/6/1959 التفتيش المركزي وتعديلاته.
14.    القانون الرقم 315، تاريخ 24/2/1994، والقانون الرقم 201، تاريخ 26/5/2000 اللَذين عدّلا بعض أحكام القانون الرقم 54/65.


• المؤلفات
1. د. جان العلية، تطبيق القانون أقصر الطرق لمواجهة الفساد، مقابلة مع مجلة الأمن العام، العدد 66، آذار 2019.
2. د. جان العلية، قواعد الشراكة الفاعلة بين القطاعَين العام والخاص، المؤسسة الحديثة للكتاب 2021.
3. د. بولين جرجس ديب: الموازنة العامة بين الواقع والمرتجى دراسة مقارنة، المنشورات الحقوقية، الصادر في 2025.
4. د. مادونا إيزاك نصار، دور أجهزة الرقابة المالية والإدارية في مكافحة الفساد المالي والإداري، المؤسسة الحديثة للكتاب، 2025.
5. إيلا عز الدين، الفساد بين المفهوم والواقع، الطبعة الأولى، دار البيان العربي، 2021.


• الأبحاث
1.    تقييم منظومة الشراء العام، الملخص التنفيذي، 2021، ص 6، الموقع الإلكتروني لمعهد باسل فليحان المالي الاقتصادي http://www.institutdesfinances.gov.lb/، تاريخ زيارة الموقع: 6-10-2025.
2.    ديوان المحاسبة يسأل الضمان ووزارة التنمية الإدارية عن مخالفات مالية في استخدام قرض المكننة النهار، 30 تشرين الثاني 2004.
3.    النشرة، مجلة تصدر عن مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، آب 2002، ص 6.
4.    كريم بقرادوني، وزير التنمية الإدارية السابق، في افتتاح دورة تدريبية في ديوان المحاسبة.النهار، 20 نيسان 2004.
5.    كارول سلوم: الهيئات الرقابية في لبنان: دور إداري مهم تعزيزها بالموظفين ضرورة قصوى، مجلة الأمن العام، العدد 145، تشرين الأول 2025، ص 42.
6.    محمد علي جعفر، أجهزة الرقابة في لبنان قراءه في الدور والفعالية، الموقع الإلكتروني: https//www.alahnednews.com.ibar، تاريخ زيارة الموقع:7-10-2025.
7.    الهيئات-الرقابية-اللبنانية-الموقع الإلكتروني: تاريخ زيارة الموقع: 6-10-2025.


• الاجتهاد
1.    القرار الرقم 598، تاريخ 14/5/1996، الخوري/الدولة-ديوان المحاسبة م.ق.إ. 1997، ص633.
2.    القرار الرقم 660، تاريخ 21/5/1996، زيدان/الدولة. القرار الرقم 661، تاريخ 21/5/1996، زين الدين/الدولة. منشور على موقع الجامعة اللبنانية/مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية www.legallaw.ul.edu.lb.
3.    القرار الرقم 516، تاريخ 7/5/1996، محمد حسن الحسامي /الدولة م.ق.إ. 1997، ص 592.


باللغة الأجنبية
 

1. Rizk Charles, Le régime politique libanais, Paris L.G.D.J، 1966.
2. Tabet, Michel, Réflexions sur la fonction publique libanaise, P.O.E.J 1981.
3. Ribas J, L’évolution des services de la fonction publique dans le monde, R.A. 1956. 
4. Moallem, Chafic, Le régime disciplinaire de la fonction publique au Liban, éd. Publication de l’Université libanaise, Section d’études juridiques, politiques et administratives, Beyrouth 1974.

 

 

 

 

 

Control Bodies in Lebanon Strengthening Transparency
Prof. Issam Moubarak 

One of the most defining features of a modern state is that it is governed by the rule of law, where its supremacy and sovereignty prevail. Everyone within it, both rulers and citizens, are bound by its rules and provisions and acts within its framework. No one is above the law. It is here that the close connection between the concept of the rule of law and the principle of legality becomes clearly evident.
On October 2, 2025, the Lebanese President, General Joseph Aoun, visited several centers of Lebanon’s control bodies. In a meeting with the head of the Public Procurement Authority, he emphasized the need to uphold the principles of transparency, competition, and equality in all public procurement operations, without any exceptions or favoritism. 
During his meeting with the head of the Central Inspection, he stressed the importance of conducting frequent, unannounced field inspections in public administrations and institutions to relentlessly detect instances of waste and corruption, while promptly referring cases to the competent judiciary. 
The establishment of control bodies in Lebanon aims to strengthen state management at the institutional level and to place executive organs under the oversight of public accountability mechanisms. This helps prevent administrative arbitrariness and the dominance of private interests within the political and governmental spheres. 
Lebanon complies with the United Nations Convention against Corruption regarding the “enhancement of the effectiveness of anti-corruption bodies.” Several control institutions operate within this framework. These bodies are tasked with enforcing the law according to their respective mandates. Accordingly, the Lebanese state has established several specialized institutions dedicated to combating corruption, including:
• The National Authority for Combating Corruption
• The Court of Accounts (public financial affairs)
• The Central Inspection (administrative and disciplinary matters)
• The Civil Service Council (personnel affairs)
• The High Disciplinary Authority (disciplinary matters)
• The Judicial Inspection (judicial affairs)
• The Central Bank of Lebanon — Special Investigation Commission (banking affairs)
• The Special Disciplinary Commission for Municipalities (municipal affairs)
Finally, the adoption of the Public Procurement Law has helped strengthen the effectiveness of oversight over public contracts.
The exercise of oversight by these bodies must be based on solid and realistic foundations, grounded in both local and international standards. These foundations are built by establishing the state’s administrative institutions according to principles of good governance and by adopting its values and practices, not only within the institutions subject to oversight but also within the oversight bodies themselves. The goal is to achieve institutional complementarity between the controlling entities and those being controlled.
The adoption of the principles of good governance and institutional accreditation procedures in both spheres enables oversight bodies to carry out their missions smoothly and effectively, thereby reinforcing their essential role in combating administrative and financial corruption.
There is unanimous recognition that corruption hinders development, as highlighted by all Lebanese officials, and that it constitutes a global scourge present in every country in various forms and at different levels. Nevertheless, it can be addressed through coordinated solutions between states to tackle the challenges it poses.
This calls for a long-term, multigenerational transformation, grounded in the development of an advanced institutional framework, involving planning, the strengthening of trust and integrity among younger generations, as well as the establishment of norms, rules, and procedures designed to implement lasting structural solutions to eradicate corruption.

Les organes de contrôle au Liban un renforcement de la transparence

Prof. Issam Moubarak 


L’un des traits les plus marquants de l’État moderne est qu’il s’agit d’un État de droit qui fait prévaloir la primauté et la souveraineté de la loi. Tous ceux qui y vivent, gouvernants comme gouvernés, sont soumis à ses règles et à ses dispositions, et agissent dans son cadre. Nul n’est au-dessus de la loi. C’est ici que se manifeste clairement le lien étroit entre la notion d’État de droit et le principe de légalité.
Le Président de la République, le général Joseph Aoun, a effectué le 2 octobre 2025 une visite dans plusieurs centres des organismes de contrôle.
Devant le président de l’Autorité des marchés publics, il a souligné la nécessité de respecter les principes de transparence, de concurrence et d’égalité dans toutes les opérations d’achat public, sans aucune exception ni favoritisme.
Lors de sa rencontre avec le président de l’Inspection centrale, il a insisté sur la nécessité de multiplier les inspections de terrain inopinées dans les administrations et établissements publics, afin de détecter les lieux de gaspillage et de corruption sans relâche, tout en transmettant les dossiers à la justice compétente sans aucun retard.
La création des organes de contrôle au Liban vise à renforcer la gestion de l’État dans sa dimension institutionnelle et à placer les organes exécutifs sous la supervision du contrôle public. Cela permet d’éviter l’arbitraire administratif et la prévalence des intérêts particuliers dans la sphère politique et gouvernementale.
Le Liban est conforme à la Convention des Nations Unies contre la corruption en ce qui concerne le « développement de l’efficacité des organes de lutte contre la corruption ». Plusieurs instances de contrôle fonctionnent dans ce cadre. Ces organes sont chargés d’appliquer les lois selon leurs compétences respectives.
Ainsi, l’État libanais a créé plusieurs institutions spécialisées dans la lutte contre la corruption, parmi lesquelles :
• L’Autorité nationale de lutte contre la corruption,
• La Cour des comptes (affaires financières publiques),
• L’Inspection centrale (affaires administratives et disciplinaires),
• Le Conseil de la fonction publique (affaires de personnel),
• La Haute autorité disciplinaire (affaires disciplinaires),
• L’Inspection judiciaire (affaires judiciaires),
• La Banque du Liban — Commission d’enquête spéciale (affaires bancaires),
• La Commission disciplinaire spéciale des municipalités (affaires municipales).
Enfin, l’adoption de la loi sur les marchés publics a permis de renforcer l’efficacité du contrôle sur les contrats publics.
L’exercice du contrôle par ces organes doit reposer sur des bases solides et réalistes, fondées sur des normes locales et internationales.
Ces bases se construisent en établissant les institutions administratives de l’État selon des principes de bonne gouvernance, en adoptant ses valeurs et ses caractéristiques, non seulement dans les institutions soumises au contrôle, mais aussi au sein des organes de contrôle eux-mêmes.
Cela vise à atteindre une complémentarité institutionnelle entre les entités de contrôle et les entités contrôlées.
L’adoption du principe de bonne gouvernance et des procédures d’accréditation institutionnelle dans ces deux sphères permet aux organes de contrôle d’exercer leur mission de manière fluide et efficace, soutenant ainsi leur rôle essentiel dans la lutte contre la corruption administrative et financière.
Il existe une reconnaissance unanime que la corruption entrave le développement, comme l’ont souligné tous les responsables libanais, et qu’il s’agit d’un fléau mondial, présent dans tous les pays, sous diverses formes et à différents niveaux.
Cependant, il est possible d’y remédier en trouvant des solutions concertées entre les États, afin de relever les défis qu’elle engendre.
Cela nécessite une transformation durable sur plusieurs générations, fondée sur la mise en place d’un système institutionnel évolué, impliquant la planification, le renforcement de la confiance et de l’intégrité chez les jeunes générations, ainsi que l’établissement de normes, de règles et de procédures destinées à mettre en œuvre des solutions structurelles et durables pour éradiquer la corruption.