أماكن في الذاكرة

بيت الاستقلال في بشامون


إرث وطني وذكريات نضال

 

في 22 تشرين الثاني من كلّ عام، يحتفل اللبنانيون بذكرى الاستقلال. وعلى الرغم من الوجع والمعاناة في الحاضر الأليم والواقع المحزن، يظلّ الأمل في انتصار الإرادة الوطنية وفي قيامة لبنان.
قبل 72 سنة، نال لبنان استقلاله بعد معارك مع سلطات الانتداب، خاضها أبناؤه بإرادة واحدة وإيمانٍ واحد. واحدة من تلك المعارك كانت في «بيت الاستقلال» في بشامون.

 

حكاية إيمان بالوطن
حكاية هذا البيت هي حكاية الناس الذين آمنوا بالوطن، وبذلوا التضحيات بشفافية عين المياه، وشموخ السنديانة الدهرية التي تظلّله.
البيت الذي احتضن «حكومة لبنان الحرّ» آنذاك، عانى طويلاً من الإهمال، إلى أن تمّ ترميمه في العام الماضي، فعسى أن يكون في ترميم الحجر ترميم وعبرة لذاكرة البشر.
«الجيش» قصدت المكان والتقت السيد جهاد الحلبي حفيد المرحوم الشيخ حسين الحلبي (صاحب البيت)، ووالدته السيدة أم سمير التي حافظت على البيت واستقبلت زواره لأكثر من نصف قرن. كما قابلت أبناء المرحوم محمد حسان (حسان، جهاد، مهاب وعصمة)، وهم من عائلة عريقة في المنطقة دفعها شعورها الوطني إلى ترميم «بيت الاستقلال» وتجديده.
 

«المهمّ يبقى لبنان»
على أثر اعتقال سلطات الانتداب الفرنسي رئيس الجمهورية اللبنانية الشيخ بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح، مع عدد من الوزراء وأحد النواب، واحتجازهم في قلعة راشيا، تشكّلت «حكومة لبنان الحرّ» التي ضمّت، الأمير مجيد أرسلان، رئيس المجلس النيابي صبري حمادة والوزير حبيب أبو شهلا، واتخذت من بلدة بشامون مقرًّا لها. وصل رجال الاستقلال إلى البلدة حيث استقبلهم الأهالي في منزل المختار الشيخ ضاهر عيد، وهناك جرى البحث عن مقرّ للحكومة لا يستطيع الفرنسيون الوصول إليه. وقف الشيخ حسين الحلبي ودعاهم إلى المكوث في بيته. وعندما نبّهه الرجال إلى مدى خطورة الأمر أجابهم: «اللّي عمّرو بيعمّر غيرو... المهمّ يبقى لبنان».
انتقلت الحكومة إلى بيت الحلبي، وقد عرف بـ«بيت الاستقلال» الذي احتمى الرجال تحت سقفه، وما زالت صورهم محفورة في كلّ حناياه. منزلٌ جبلي قديم يقع على تلّة من تلال بلدة بشامون المشرفة على بيروت، كان يتألّف من جناحين: أحدهما للنوم، والآخر للاجتماعات والعمل وقد عُرِف بـ«السراي»... شُيّد هذا البيت التاريخي في العام 1890، واجهته مفتوحة على «سطيحة» واسعة تظللها سنديانة كبيرة، كان يتفيّأ تحتها القادمون لمناصرة رجالات الحكم الوطني.
احتضن بيت الشيخ حسين الحلبي الآمال، وتقاطر المواطنون إليه بغية تأمين الحماية للحكومة، وأيضًا لتأمين الحاجات اللوجستية لمن أمنوا الحماية.

 

هنا رفع العلم اللبناني لأوّل مرّة
«هذا البيت يعني لنا الكثير»، يقول السيد حسّان حسّان، «فمنه صدرت القرارات الحرّة التي جسّدت وحدة الشعب وآماله في السيادة والاستقلال. وفي هذا البيت رُفع العلم اللبناني لأوّل مرّة في التاسع عشر من تشرين الثاني 1943، وهو ما زال مرفوعًا في صدر البيت، محفوظًا في لوحة... كان لا بدّ لنا أن نعيد الاعتبار لهذا البيت الغالي ونرفع عنه حيف الإهمال والنسيان، وقد اعتبرنا ذلك واجبًا وطنيًا فهو بيتنا جميعًا... ومنذ الصغر، كان والدانا كما جميع عائلات بشامون رجالًا ونساءً، في خدمة ثورة الاستقلال ورجاله، وقد نشأنا وتربّينا على هذه المبادئ الوطنية، لذلك بادرنا إلى ترميمه».

 

الترميم
«العمل الهندسي قدّمه المهندس المعماري رمزي أبو طرية وزوجته المهندسة منى التي أشرفت على التنفيذ»، يضيف السيد جهاد حسّان، «وقد تضمّنت أعمال الترميم فتح الغرف الثلاث على بعضها البعض لتصبح صالة كبيرة تمّ تجديد جدرانها وأسقفها الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى تنجيد الأثاث وصيانة الموجودات بما فيها الأسلحة المعلقة على الجدران والتي استعملت في معركة الاستقلال. أمّا الطريق وساحة البيت الخارجيّة، فقد أنجزتهما بلديّة بشامون. وقد استمرت الأعمال حوالى الخمسة أشهر وبلغت كلفتها نحو 400 ألف دولار...».
السيد جهاد الحلبي حفيد مالك البيت يقول من جهته، «إنّ ما أنجزه أبناء آل حسان مشكورين، لم تقم به الدولة»، ويشير إلى أنه جرى الاحتفال بتجديد «بيت الاستقلال» في بشامون في الذكرى الـ71 لاستقلال لبنان، في العام الماضي، وذلك برعاية وزير السياحة معالي الأستاذ ميشال فرعون وحضوره، وبمشاركة آل حسان وآل الحلبي، وعدد من الشخصيات ومن أهالي المنطقة والجوار.

 

السنديانة والذكريات
قبل مغادرة بشامون، قصدنا والسيّدان حسّان والحلبي السنديانة الكبيرة عند مدخل البلدة حيث دارت عدّة معارك بين الجنود الفرنسيين ورجالات الاستقلال. فالجميع ما زالوا يتذكرون: هنا استشهد الشاب سعيد فخر الدين، ابن بلدة عين عنوب، في أثناء تصدّيه للقوات الفرنسية. وقد نعاه في حينها الوزير إرسلان في البلاغ الرقم واحد، بتاريخ 17 تشرين الثاني 1943. سعيد فخر الدين يحرس ذكريات غالية، وكذلك ذاكرة أهل البلدة والجوار ولبنان...