مشاكل وحلول

طفلك لا يجيد الكلام!
إعداد: روجينا خليل الشختورة

 فهل يعاني مشكلة التأتأة؟

ربما... لكن ما هو الحلّ؟


«أريد... أريد لعـععبة»، «أنا أنا أنا عطشان»، «أعطني آآآآآ المفتاح»... هكذا يتكلّم رواد أحيانًا.
في البداية، عندما كان في الثانية من عمره أي في أولى مراحل اكتساب اللغة، كان والداه سعيدين بكلامه وأحيانًا يجاريانه. ولكنّه اليوم أصبح في الخامسة وما زال يتكلّم في بعض الأوقات بهذه الطريقة.
فهل هذه هي التأتأة في الكلام؟ ولماذا يتأتئ رواد؟ هل يمكن تدارك وضعه، ماذا يجدر بالأهل القيام به لإنقاذ طفلهم من هذه المشكلة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة وسواها، كان لـ«الجيش» لقاء مع اختصاصية تقويم النطق واللغة في الطبابة العسكرية - صربا، الآنسة جنيفر عازار.


تأتأة أو عدم طلاقة نفسية
بدايةً، حدّدت الآنسة عازار الـتأتأة على أنّها اضطراب في سلاسة الكلام يظهر من خلال تكرار الأصوات أو الكلمات، أو مطّ الأحرف، وتقطيعها في الكلمة نفسها.
غير أنّ معظم الأطفال في مرحلة اكتساب اللغة أي بين عمر السنتين والست سنوات تقريبًا، يمرّون بما يدعى «عدم الطلاقة اللفظية»، فتعلّم المهارات اللغوية يسبب لنسبة كبيرة منهم صعوبات خلال التعبير والتواصل. هذا الأمر طبيعي... وإذا أحسن الأهل التعامل مع الطفل في هذه المرحلة، فإنّها تمرّ بسهولة.
أمّا إذا استمرّت هذه الأعراض أو زادت حدّتها، فيجب حينها استشارة اختصاصي تقويم نطق ولغة، حيث يبدأ الشك هنا بأنّ الحالة ليست فقط عدم طلاقة لفظية، ولكنّها قد تكون مؤشّرًا لتأتأة حقيقية.
وشبّهت الآنسة عازار التأتأة بجبل الثلج الذي لا يبدو منه ظاهرًا إلّا جزء صغير فوق سطح الماء بينما الجزء الأكبر يكون مغمورًا. فالتأتأة لا تظهر منها إلا كونها عيبًا في النطق، مع أنّ المستتر هو انفعالات وأحاسيس أهمّ بكثير. وكلّما ذاب القسم المغمور في الماء، تقلّص حجم الجليد الظاهر، وبالتالي أصبح النطق أسهل وأكثر سلاسة.
وجزّأت اختصاصية تقويم النطق واللغة مظاهر التأتأة إلى مرئية ومخفيّة، فالظاهر من الأعراض يبدو على الطفل أو البالغ عندما يكرّر الكلمات ويقطّع فيها، كما قد تظهر عليه تشنّجات في عضلات الوجه والحنجرة، أو قد يعجز عن البدء بالكلام أو يتوقّف فجأةً ويظهر عليه التوتّر، وقد يصل الأمر إلى حدّ التوقّف عن النظر إلى الآخر. أمّا الأعراض المستترة فقد تكون مشاعر متراكمة مع مرور الزمن وأحاسيس غريبة تتنوّع بين دقات قلب سريعة وضيق في التنفّس ناتج أحيانًا عن الخوف من عدم القدرة على التعبير، والصعوبة في استحضار الكلمات المناسبة للتعبير، وقد يشعر الشخص أيضًا بعدم الرغبة في الكلام ليتجنّب التأتأة.

 

الأسباب
أسباب التعثر في الكلام وصعوبة النطق والتأتأة عند الأطفال ترجع بدايةً إلى قدرة الطفل الذهنية على التفكير بالكلام بسرعة تفوق قدرة اللسان على إخراجه. وفي الغالب صعوبة النطق الطبيعية يكون سببها وراثيًا. ولكن إذا ظهرت التأتأة فجأةً، فهذا مؤشّر لمشكلة يعانيها الطفل، فقد يكون تلقى صدمة ما (حدث أمر مروّع أمامه أو فقد أحدهم) أو خاف من شخصٍ أو من شيءٍ ما، أو أنّه يتعرّض للمضايقات من أحد الأقارب أو في المدرسة... ومن العوامل التي تعزّز التأتأة أيضًا، تعرّض الطفل لضغطٍ نفسي شديد، ولإجهاد نفسي يتخطى طاقته على التحمّل.
تفوق نسبة حدوث التأتأة عند الذكور مثيلتها عند البنات بأربع مرّات، وهي تصيب 1% من الأطفال. ولا يستمرّ التعثّر الطبيعي في الكلام أكثر من شهرين إلى ثلاثة أشهر إذا تمّ التعامل مع الحالة بالطريقة السليمة، أمّا عسر النطق الطبيعي فليس قصير الأمد، إنّما يتحسّن تدريجًا مع نموّ الطفل. فالكلام يصبح مفهومًا عند 90% من الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 4 سنوات، وعند 96% من الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 5 إلى 6 سنوات، أمّا النسبة القليلة الباقية فهي التي تصنّف في خانة المتأتئين الحقيقيين الذين قد يستمرّون على هذه الحالة إلى سنّ البلوغ إذا لم يتابعوا علاجًا.

 

نصائح وإرشادات
?المتخصّص الأول في علاج الطفل هم أهله أي الأم والأب بالدرجة الأولى، والأقرباء الذين يجالسونه بشكلٍ دوريّ. ففي بداية اكتساب الطفل الكلام، على الأهل تصحيح الكلمة التي قد يلفظها ابنهم بشكل خاطئ بدلًا من تقليده أو مواجهة الموقف بالضحك. وإذا تأتأ في الكلام يجب عدم الاستهزاء به أو تأنيبه، أو مطالبته بإعادة ما قاله بتروٍ، بل التركيز معه على مضمون ما يقوله حتى لا يشعر بأنّه عاجز عن التعبير ولا يستطيع إيصال رسالته بشكل سليم. فإذا لم نتصرّف على أساس أنّه يعاني من مشكلة في النطق وأحطناه بالعناية الملائمة في هذه المرحلة، قد تختفي التأتأة من تلقاء نفسها بعد وقتٍ قصير. أمّا إذا استمرّت الحالة أكثر من ثلاثة أشهر، فعلينا استشارة طبيب الأطفال الذي يقوم بالتحقّق مما إذا كان هناك أيّ مشكلة في السمع أو أي عامل وراثي، وقد يحتاج الأمر إلى مراجعة اختصاصي في علم نفس في حال ظهر أيّ اضطراب في سلوك الطفل.
كذلك، تشير عازار إلى أنّ التأتأة تظهر فقط عند المحادثة إذ يلاحظ أنّ الطفل لا يتأتئ عندما يقرأ أو يتلو شعرًا أو ينشد أغنية. كما أنّ الطفل الذي يتأتئ، مشكلته في النطق لا في معدّل ذكائه.
 

التعاون ضروري لحلّ المشكلة
يقتضي نجاح علاج مشكلة التأتأة التعاون بين اختصاصي تقويم النطق والأهل والمدرسة.
أوّلاً، في المنزل، يجب خفض الواجبات في شكل مؤقت. قد تكون الأم غير متطلبة ولكن الطفل في هذه الحالة بحاجة إلى خفض حدّة الضغط الذي يمارس عليه، ضغط الوقت والسلوك والمواقف العاطفية... كما عليها ألّا تجاريه في التأتأة لئلا تصبح وسيلة يعتمدها للفت الأنظار إليه.
ثانيًا، في المدرسة: على الأمّ التحدّث إلى المعلمة حول مشكلة ابنها وعن العلاج الذي يخضع له، فالمعلّمة شخص يتواصل مع الطفل طوال النهار المدرسي، وبالتالي عليها التنبه لحالته والمساعدة في توضيح بعض الصعوبات التي يواجهها في الصف.
ثالثًا، اختصاصي تقويم النطق واللغة يقوم بتشخيص حالة الطفل ودرجة خطورتها وتحديد أسبابها، ليحدد بعد ذلك مراحل العلاج وخطواته. عندما يكون الطفل صغيرًا، يكون للأهل دور كبير في المتابعة والعلاج، على أن يتولّى الشخص الأقرب إلى الطفل تنفيذ الخطوات الإجرائية، ومنها:
- الجلوس مع الطفل ومحادثته (ولو مرّة في اليوم)، في موضوعٍ شيّق وممتع من دون أن يطلب إليه اتقان الكلام أو إعادته بشكل صحيح.
- تجنّب التعبير عن عدم الاستحسان لكلام الطفل، كأن يقال له على سبيل المثال: «توقف عن التأتأة»، «فكّر قبل أن تتكلم»...
- عدم محاولة تصحيح النطق أو الأخطاء اللغوية، وعدم مدح الطفل على كلامه الصحيح، لأنّ ذلك يعني أنّ كلامه السابق لم يكن سليمًا.
- منح الطفل الوقت الكافي كي ينهي ما يقوله، وعدم إكمال الجملة عنه، واتباع أسلوب هادئ في الحديث معه، وعدم مطالبته بتكرار ما قاله، أو بدء كلامه من جديد.
- عدم تمرين الطفل على نطق كلمة معينة أو صوت معين فمن شأن ذلك أن يجعله يتمعن في كلامه أكثر من اللازم.
- مساعدة الطفل على الشعور بأنه مقبول، وبالتالي إطلاع محيطه على حالته وكيفية التعاطي معه لتجنيبه السخرية والاستهزاء قدر الإمكان. كما يجب منحه المزيد من الوقت للهو واللعب يوميًا وتهدئة إيقاع الحياة في الأسرة.
وفي حالة الأطفال الأكبر والأكثر وعيًا لحالتهم (أو البالغين)، يقوم اختصاصي تقويم النطق بالتحدّث معهم مباشرةً فيشرح لهم حالتهم وطرق العلاج التي سيتبعها معهم، وهي تبدأ بعلاج الطلاقة اللغوية أوّلاً أي السيطرة على معدّل الكلام والتحكم بالنفس، ثم يلجأ الاختصاصي إلى تعديل أثر التأتأة للوصول إلى إزالته بشكلٍ كلّيّ.