وجع الشهادة وفرح النصر

هذا شعب يستحق أن نموت لأجله
إعداد: الهام نصر تابت

... والى الفوج المجوقل، فوج المقاتلين الأشداء وعشرات الشهداء والمصابين. قائد الفوج العقيد الركن جورج نادر تسلّم قيادة المجوقل إثر إصابة قائده العقيد الركن شربل الفغالي.
من مكتبه في كلية القيادة والأركان أتى الى أرض المعركة التي لم يكن أصلاً بعيداً عنها.
كان يأتي اليها في يوم المأذونية الأسبوعية، يحيي الرفاق ويشدّ على أياديهم.
هو في الأساس مغوار وفي معركة هي معركة الجيش والوطن لم يكن قادراً على البقاء بعيداً. في ثكنة الفوج في غوسطا التقيناه: بدأنا في المكتب، تابعنا في الساحة قرب العسكريين وانتهينا في حلبة القتال وجهاً لوجه، حيث التدريبات على قدم وساق. كما كان في المعركة هكذا هو في الثكنة، دائماً بينهم. إذا تحدث عنهم يقول رائعون. أما مشاعر الفخر التي يختزنها فلا تكفي لإخفاء ألم سببه خسارة نخبة من خيرة الشباب. ما يعوض الخسارة هو النصر وبقاء الوطن ووقوف الناس الى جانب جيشهم: «هذا شعب يستحق أن نموت لأجله».

قائد الفوج المجوقل

ظروف تسلّم قيادة الفوج
بداية، يشرح لنا العقيد نادر ظروف تسلّمه قيادة الفوج، فيقول:
تبلّغت قرار تعييني قائداً للفوج باتصال هاتفي، وطلب اليّ الإلتحاق فوراً. عادة يعطى الضابط يوماً أو يومين للالتحاق وعدة أيام... للتسّلم. لم أُعطَ أي دقيقة فقائد الفوج أصيب والمعركة على أشدها، كان ذلك في 9 آب.
لم أكن بعيداً عن أجواء المعركة ومعاناة العسكريين، بعضهم (بسبب بُعد منازلهم أو لعدم رغبتهم في الخروج) كان قد مضى على وجوده في المخيم ما يقارب الشهرين. كنت أعايش كل تفاصيل المعركة فقد خصصت يوم مأذونيتي الأسبوعي لنهر البارد.


• بتكليف من القيادة أم بمبادرة شخصية؟
- بمبادرة شخصية، نحن عسكر، رفاقي في المعركة لم أكن قادراً على البقاء بعيداً عما يواجهونه.
أول ما فكرت به هو معنويات الفوج بعد كل هذا التعب، وخصوصاً بعد إصابة قائده. نحن ندرك تماماً تأثير إصابة القائد على عسكرييه. كانت خطوتي الأولى باتجاه رفع معنويات المقاتلين وتعزيز إرادة القتال لديهم. فهذه الإرادة هي أهم العوامل في تحديد نتيجة المعركة.
جعلت غرفة عملياتي بالقرب منهم، تعرفت اليهم وبدأنا العمل. كنت أجلس بينهم نتحدث، عن الشهداء والجرحى الذين يجب أن نكون على مستوى ما قدّموه. عن كرامة العسكري وشرفه، عن الوطن الذي ينظر الينا وكل الآمال معلّقة على ما نحققه.
تجاوبوا معي بسرعة، إنهم مقاتلون رائعون. خلال أسبوع حققنا خرقاً مهماً على المحور الذي كنا فيه في المخيم القديم، ومع مغاوير البحر استطعنا التضييق على الإرهابيين. فقد أمسكنا بيسار الطريق البحري للمخيم (محيط الأونروا) وعملنا على فتح الطريق البحري، واحتلال المباني المحيطة به بالاضافة الى احتلال وتنظيف مبانٍ أخرى. بعد أيام (بين 16 و22 آب) كنا قد فتحنا الطريق البحري وتواصلنا مع مغاوير البحر مع متابعة احتلال وتنظيف المباني.


كنا نقاتل من تحت الى فوق
كنا القطعة الوحيدة التي تقاتل من تحت الى فوق، فالإرهابيون كانوا فوقنا.
كان المحور الأصعب فالاونروا مدخل لطريق الحاووز ولطريق السوق، أغلقنا الطريقين ما أقفل المنافذ البرية في وجه المسلحين، وتولى مغاوير البحر إغلاق المنافذ البحرية تماماً.
قبل أن يحصل هذا الإقفال تمكن أحد المسلحين من التسلل والهرب ألقينا القبض عليه في العبدة. اعترف بأنهم تعرضوا لضغط كبير خلال ذلك الأسبوع وأن تسعة منهم قتلوا على هذا المحور ومن بينهم شاهين شاهين.
تابعنا مناوراتنا الهجومية بعد ذلك. فكانت لنا كل يوم مناورة. في الليل نضع الصور الجوية على الشاشة، نحدد لكل سرية أماكن الهجوم الرئيسة.
أحياناً كنا ننجح في تحقيق خرق كبير وأحياناً كان التقدم بالغ الصعوبة. أعطيت للسرايا أمراً بعدم المبيت في المكان نفسه الذي كانت فيه قبل يوم.
خلال عشرة أيام من القتال حققنا إنجازاً عظيماً، وضيّقنا عليهم الخناق، فطلبوا إخلاء النساء والأطفال من المخيم الأمر الذي حصل في 24 آب.
ويتابع سرد أبرز محطات المعركة:
30 و31 آب قمنا بشق طرقات وتنظيف طريق الحاووز والتقدم باتجاهه، كانت تفصلنا عنه مسافة 60 متراً تقريباً.

 

الساعات الأخيرة
• ماذا عن الساعات الأخيرة للمعركة؟
- بعد خروج عائلات المسلحين أدركنا أن هؤلاء سيعمدون الى خيار من إثنين: إما القتال حتى الموت أو محاولة الفرار.
ليل 1 - 2 أيلول حاولوا الفرار، وحسب إفادات الأسرى خرجوا بمجموعات وسلكوا طريقاً بين قطاعنا وقطاع اللواء الخامس، وضعوا فرشاً فوق الركام وبدأوا التسلل باتجاه المخيم الجديد.
في الثانية والربع صباحاً كشف خفير لنا مجموعة فرمى عليها وأفادنا بالأمر. في الوقت عينه، حصل الأمر نفسه في السرية الرابعة وفي مربض للهاون حيث تمّ الرمي على الفارين وقتل عدد منهم. أعطينا الأمر بصعود جميع العسكريين الى الملالات وبدأت المواجهات الأخيرة. قضينا على 31 مسلحاً وأسرنا 12.
أكثر المجموعات مقاومة كانت مجموعة شاكر العبسي، كانت مجموعة كبيرة. حاصرناها في مبنى عالجناه بالقصف واشتبكنا مع المسلحين فقتلنا منهم هناك ستة. في هذا المبنى وجدنا بندقية «M4»، نظفناها وبعد المعاينة اكتشفنا أنها بندقية الشهيد المغوار عباس كموني الذي تمكن المسلحون من سحب جثته، قدّرنا أن بين القتلى شاكر العبسي أو أحد مرافقيه. فقد كانت لدينا معلومات من موقوفين أن بندقية الشهيد المغوار مع شاكر العبسي يحملها متباهياً ويفاخر بالاستيلاء عليها. كان لنا شرف استرداد البندقية.


... أنا المجنّد علي الوهم
• هل سقط للفوج شهداء في هذه العملية؟
- خسرنا المجنّد الشهيد علي الوهم، استشهاده أثّر بي كثيراً سقط في اللحظات الأخيرة، كان يستحق أن يشهد النصر الذي تحقق بفضل تضحيات العسكريين وهو واحد من أشدّهم شجاعة وجرأة.
يصمت العقيد الركن نادر وقد بلغ تأثره حدود الدمع. نخفض نظرنا والقلم احتراماً للمشهد المؤثر وننتظر لحظات قبل أن يأتي الكلام.


• هل تريد أن تضيف شيئاً عن هذا الشهيد بالذات؟
- هذا الرجل كان أول عسكري تعرّفت اليه لحظة وصولي الى الفوج. كنا نحفر لنفتح طريقاً بواسطة الجرافة. سقطت قذيفة «آر. بي. جي» تحت رجل السائق. أصيب ونزل من الجرافة (D9).
تقدم مني المجنّد علي الوهم عرّف عن نفسه وقال: أنا أخرجها. أمّن له رفاقه الحماية، وأخرجها.
أردت مكافأته بمأذونية أربعة أيام، رفضها. لكنني قلت له: «هذا أمر». شكرني وسأل: «سيدي أنا متزوج وعندي ولد وأريد أن أتطوع في الجيش، هل تطوعني». قلت له: «سأطوعك ولو كان لديك عشرة أولاد». كان مندفعاً مثل النار... استشهد في آخر لحظات المعركة.

 

شرف رفع العلم
• قدّم الفوج عشرات الشهداء إضافة الى المصابين إصابات بالغة تستوجب العلاج شهوراً طويلة، كيف تقيم بالإجمال معنويات الفوج؟
- قاتل الفوج المجوقل بمعنويات عالية جداً وبكفاءة مميزة. لقد كان لنا شرف رفع العلم على أربعة مراكز مهمة جداً: الخان، صامد، النورس والأونروا، الى استكمال عزل المخيم وتطويقه من الناحية الغربية مع مغاوير البحر، والسيطرة على المداخل الغربية والشمالية للملاجئ والمراكز. التي يستعملها المسلحون. عندما سيطرنا على هذه المراكز طلبوا إخلاء النساء والأطفال.
أما بالنسبة الى الشهداء فقد دفعنا ثمناً غالياً، وكذلك الأمر بالنسبة الى الإصابات لدينا العشرات منهم وما زالوا في المستشفيات وسيمكثون فيها أشهراً طويلة.
الجيش كله دفع ثمناً غالياً، بالنسبة اليّ، أي شهيد من الجيش يعنيني كما لو أنه من قطعتي. في النهاية الوطن لا يصان إلا بالتضحيات، الجيش قام بواجبه.
وأضاف قائلاً:
العسكريون يعرفون أن ثمة ضريبة دم يجب أن تدفع. هناك ما نسميه «إصابات محسوبة»، تكون قاسية ومؤلمة. أما المؤلم أكثر فالاصابات غير المحسوبة. لذلك المهم أخذ كل الاحتياطات لحماية العسكريين وتوفير الخسائر، شخصياً أفضل احتلال مبنيين بكلفة قوامها بضعة جرحى على احتلال عدد كبير من المباني كلفتها العديد من الشهداء.


هذا الشعب يستحق أن نموت لأجله
• عدتم الى الثكنة، ما هي الأولويات حالياً، وكيف تصف إحتفال الناس بعودتكم؟
- نحن الآن في مرحلة إعادة تنظيم الفوج، نعيد تجهيز عتادنا وعسكرنا، ثمة مساعفة للآليات والسلاح، وتدريب للعسكريين.
أما في ما خص الشق الثاني من السؤال، فأكتفي بالقول: هذا الشعب يستحق أن نموت لأجله. كان الشعب معنا في كل مراحل المعركة، في كل لحظة كنا نشعر بدعمهم يمدنا بالمزيد من القوة. وسط الناس المحتشدين على كل الطرقات شعرت بالكبر والفخر، لكنني ايضاً شعرت أنه مهما قدّمنا لأجلهم فهذا واجبنا. في لحظات أحسست بالخجل من هذا الاستقبال العظيم. الفرح من حولنا في كل مكان، فرح لم يمح الغصة والألم في الأعماق، عاد فوجنا ناقصاً 40 شهيداً، على الطرقات كان أهالي الشهداء بانتظارنا أيضاً وفي عشقوت انتظرونا من الساعة الثالثة بعد الظهر الى الأولى بعد منتصف الليل، مشهد فوق الوصف.


محطات وتواريخ

• في 3/6/2007، انتقل الفوج من البريد الى معسكر عرمان للتدريب.
• في 4/6/2007، شارك في عملية حفظ الأمن في مخيم نهر البارد من الجهتين الشمالية والشمالية الشرقية بعد أن تسلّم القطاع من فوج المغاوير.
• في 2/7/2007، استبدل الفوج بالسرية 1207 (فترة استراحة) وتمركزت بعض وحداته في محيط مستديرة العبدة، بينما تمركزت وحدات أخرى في معسكر عرمان.
• في 12/7/2007، تابع الفوج العمليات القتالية على الجبهة الشمالية (البحر).
• في 17/7/2007، انتقل الفوج الى الجبهة الجنوبية للمخيم.
• في 28/7/2007، انتقلت السرية المجوقلة الرابعة الى الجهة الشمالية (الأونروا).
• في 31/7/2007، انتقل الفوج الى الجهة الشمالية (الأونروا).