لشهدائنا الخلود

مارد يقتص من المجرمين
إعداد: د.الهام نصر تابت

لم يتسع يوم واحد لفيض الغضب والحزن في وداع الشهداء المعاون حسن شريف والرقيبين جورج أبو شعيا وبول أنطوان الجردي، فكان تشييعهم في يومين (١٧ شباط في تعلبايا واللبوة و١٨ شباط في أبلح). كيف ليوم أو أيام أو أعمار أن تستوعب هذا الغضب المدوي وهذا الحزن الرهيب؟ بعد اليوم، لن تتسع الحياة في بيوت من فقدوا أعز ما يملكون إلا لوجع لن يخفت، لن يسكت، لن يتعب. وجع لن ينضب أيضًا في قلوب الرفاق، بل سيولد من جديد ماردًا يقتص من المجرمين، ويقودهم إلى حيث يجب أن يكونوا مكبلين بأغلال غدرهم ونتانتهم وأفعالهم القبيحة.

الشهداء الثلاثة سقطوا في ١٦ شباط الماضي بنيران مجرمين يدمرون شبابنا بسموم المخدرات. هؤلاء دفعوا ثمن إصرارهم على حماية مجتمعهم من مجرمين يحترفون تدمير الشباب. 

في مهمة حورتعلا كما في مهمات أخرى مماثلة، يقع جنودنا ضحية إصرارهم على عدم المس بالمدنيين وخصوصًا المسنين والنساء والأطفال، يستشهدون ولا يجازفون بتعرّض أي من الأبرياء للأذى، لكن البشاعة كل البشاعة تحضر حين يكون من يعتبرهم الجيش أبرياء درعًا لمجرمين، وهذه المرة كان الغدر ممن حاول حمايتهم سبب استشهادهم.

 

في السنوات العشر الأخيرة قدم الجيش دماء عشرات من خيرة رجاله في مواجهات مع مجرمي المخدرات لكنه لم ولن يتراجع عن ملاحقتهم وتخليص اللبنانيين من شرورهم، وخلال الأسابيع الأخيرة أُعلن عن ثلاث عمليات استهدفت هؤلاء. الأولى كانت في حي الجورة - برج البراجنة، دهم خلالها الجيش خلية تعتبر واحدة من أخطر خلايا المخدرات، فضلًا عن ارتكابها جرائم قتل. تلك العملية التي نُفذت بالتنسيق بين فوج التدخل الرابع ومديرية المخابرات، كانت أشبه بعملية جراحية دقيقة تطلّب تنفيذها أكثر من ٧ ساعات، وانتهت باقتلاع الخلية بعد فترة من الرصد والمتابعة، وتنسيق دقيق بين المديرية والفوج. وقد نُفذت المهمة الصعبة من دون إصابات بين المدنيين في منطقة سكنية مكتظة، وذلك رغم لجوء المطلوبين إلى الاختباء بين الأهالي، أما الإصابات في صفوف العسكريين فكانت طفيفة. 

بعد أيام من عملية الضاحية، نفذت قوة من المخابرات والفوج المجوقل وبدعم من القوات الجوية، عملية في حورتعلا أدت إلى توقيف مطلوبين بعدة جرائم من بينها الإتجار بالمخدرات. وفي السياق نفسه جاءت عملية حورتعلا في ١٦ شباط الماضي التي استهدفت عصابة شديدة الخطورة. طالت العملية منزل المطلوب زين العابدين المصري الذي يقع في حي آل مهنا المكتظ بالسكان حيث بادر المسلحون إلى إطلاق النار بكثافة على قوة الجيش، فاستشهد عسكريون وأصيب آخرون بجروح. عندها، ردّت القوة ‏العسكرية بإطلاق النار على المطلوبين ما أدى إلى مقتل ثلاثة منهم. استمرّت الاشتباكات العنيفة أكثر من ساعتين، استخدمت فيها القذائف ‏الصاروخية والأسلحة المتوسطة، لتستمر القوة المولجة تنفيذ المهمة في ملاحقة المجرمين الفارين وتوقف أكثر من عشرة منهم. وطبعًا لم تتوقف الملاحقة مع إلقاء القبض على هؤلاء، وعهد القيادة والرفاق لمن استشهدوا أن لا يذهب دمهم هدرًا، وللمواطنين أن يستمر الجيش في حمايتهم من الأخطار ولو اضطر لبذل الدم الغالي.

 

إلى جنان الخلد

بكاهم أهلهم ورفاقهم ومواطنوهم، ثلاثة أبطال من خيرة شبابنا قهروا كل ما تختزنه حياتنا من يأس وبؤس وانبروا لواجبهم المشرّف مؤمنين أنّ الأمن والاستقرار لا يسيران على طريق واحد مع الإجرام وهدم حياة الشباب بسموم المخدرات. انبروا لواجبهم بكل شجاعة، واجهوا الخطر، وحين ظهر أمامهم ذلك الرجل تصرفوا بما تقتضيه مناقبيتهم العسكرية، فإذا بمن أرادوا حمايته مجرمًا غادرًا يمطرهم بالرصاص. 

لقد مضوا إلى خالقهم شهداء أبرار مكللين بالمجد وإن كان ثمنه أغلى من أن يُقدر، أما المجرمون الغادرون فمضوا إلى حتفهم ملعونين، ومن بقي منهم سيطارده إصرار الجيش على إحقاق الحق إلى أن يلقى جزاءه. هذا وعد القيادة والرفاق، وهذا ما عوّدنا عليه جيشنا، فكم من رؤوس كبيرة ظن أصحابها أنّهم أفلتوا من قبضته لكنهم لاقوا عقابهم وإن بعد حين.

 

غضب وورد وعهود

هما من أرض البقاع وأهله، وهما من أبناء مؤسسة الشرف والتضحية والوفاء، ومن أشجع جنودنا وأكثرهم مناقبية والتزامًا، سيذكرهم الناس وستتذكر خطواتهم الأرض. بالغضب الساطع والحزن الكبير تم تشييعهما، وبالورد والأرز والزغاريد وعهود الرفاق كان وداعهما. لم تكن الدموع في عيون الأهل فقط، وإنما في عيون جميع من احتشدوا في ١٧ شباط الماضي لوداعهما، وللتأكيد أنّهم درع المؤسسة العسكرية وسياجها في وجه المجرمين وإن كان هؤلاء أبناء منطقتهم أو عشائرهم. 

فقد شيّعت قيادة الجيش وأهالي بلدتي اللبوة وتعلبايا والجوار، المعاون أول الشهيد حسن خليل شريف والرقيب الشهيد بول أنطوان الجردي وسط مراسم التكريم التي تليق بشهادتهما، وأجواء الألم الذي حل في نفوس أهلهما ورفاقهما وسواهم من مواطنين شرفاء هالهم تعرّض الجيش للغدر من أرباب عصابات المخدرات والإجرام. استهل التشييع بمراسم التكريم أمام مستشفى العبدالله في رياق، حيث أدّت ثلة من الشرطة العسكرية وموسيقى الجيش التحية والتشريفات للشهيدين في مشهد يجلله الوقار. مُنح الشهيدان أوسمة الحرب والجرحى والتقدير العسكري من الدرجة البرونزية، ثم نُقل جثماناهما كل إلى بلدته. 

 

أمانة في أعناقنا

وقد مثّل العقيد الركن محمد علي الزمار وزير الدفاع الوطني موريس سليم وقائد الجيش العماد جوزاف عون في تشييع المعاون أول الشهيد حسن خليل شريف، وكانت له كلمة في المناسبة اعتبر فيها «أنّ الكلمات تقف عاجزة أمام أمرَين عظيمين هما حجم الخسارة ومجد الشهادة...» 

وتوجّه إلى ذوي الشهيد وأبناء بلدته بالقول: «خسارتكم هي خسارتنا، ودم شهيدنا حسن أمانة في أعناقنا، والجيش لن يستكين حتى توقيف كل من تلطخت يداه بدماء العسكريين». وأكد أن قيادة الجيش تدرك تمام الإدراك أنّ اللبنانيين عمومًا، وأهالي بعلبك خصوصًا، يدعمون جهودها في ملاحقة تجار المخدرات والمجرمين والعابثين بالأمن من منطلق روح الوطنية والمسؤولية لديهم، ويلتفون حولها ويتعاونون معها بكلّ ما أوتوا من إمكانات. وأكبر دليل على ذلك تقديمهم أغلى شبابهم لينخرطوا في صفوف الجيش ويكونوا في خدمة الوطن». 

كذلك مثّل العقيد الركن صلاح علوه، وزيرَ الدفاع الوطني وقائدَ الجيش العماد جوزاف عون في تشييع الرقيب الشهيد بول أنطوان الجردي وقال في كلمته «إنه قدر المؤسسة العسكرية أن تُقَدّم الشهيد تلو الشهيد، وأن تبذل التضحيات المعمّدة بالدم حمايةً للبنان من أعدائه، وصونًا لأرواح اللبنانيين من شر المجرمين والعابثين بالأمن. اليوم يتجسد أمامنا هذا الالتزم الأكيد إذ نزفُّ إلى عالَم المجد والخلود رفيق سلاحنا البطل الرقيب الشهيد بول الجردي الذي جادَ بروحِهِ الطاهرة وهو يلاحق المطلوبين أصحاب الأيادي السوداء، الساعين إلى تهديم مجتمعنا بسموم المخدرات وغيرها من الجرائم».

وأضاف قائلًا: «خسارتنا كبيرةٌ وجرحنا عميقٌ بلا شك، لكننا نعلم علم اليقين أنّ الشهيد بول كان مستعدًا لهذه اللحظة طوال حياته العسكريّة، شأنه في ذلك شأن بقية رفاقه في مختلف وحدات الجيش. فمع أنّ كلًّا منهم ضنينٌ بروحه حريصٌ على حياته وحياة أفراد عائلته كما هو حال كل إنسان، فإنّ التضحية في سبيل لبنان وأبنائه، ومواجهة الموت بخطى ثابتة لا تعرف التردد مهما كان الثمن، جزءٌ من المهمة المقدسة التي نَذَرَ حياته من أجلها». 

وختم بالقول: «اعلم يا شهيدنا البطل أن القيادة لن تدع أيًّا من المتورطين في قتلك يفلت من العقاب. بِقَدْرِ ما نحن مفجوعون بفقدك، فنحن أيضًا عاقدو العزم على اقتياد بقية المجرمين إلى العدالة لينالوا جزاءهم».

 

درب الشهادة

في اليوم التالي حلّ المشهد نفسه في أبلح حيث شيّعت قيادة الجيش وأهالي البلدة والجوار الرقيب الشهيد جورج أبو شعيا. كان صدى استشهاد العسكريين الثلاثة حادًا في البلدة التي يرتدي أبناؤها البزة العسكرية «أبًا عن جد» كم يُقال. وَقْع الجريمة كان قاسيًا جدًا، ومأساة الخسارة كانت في كل بيت وعلى كل لسان، لكنّ الجميع كانوا مدركين بأنّ الجيش لن يسمح بهدر دماء شهدائه وأنّ المجرمين سينالون جزاءهم. 

بدأ التشييع بإقامة مراسم التكريم من أمام مستشفى زحلة الحكومي، حيث أدّت ثلّة من الشرطة العسكرية وموسيقى الجيش التحية والتشريفات للشهيد، وجرى تقليده أوسمة الحرب والجرحى والتقدير العسكري من الدرجة البرونزية، ثم نُقِل الجثمان إلى بلدته أبلح، حيث أقيم حفل التأبين في حضور العقيد محمد الحلبي ممثلًا وزير الدفاع الوطني وقائد الجيش. 

بقلوب يعتصرها الألم تابع الحضور كلمة العقيد الحلبي الذي أكد أنّ «هذا اليوم محطّةٌ تلتقي فيها دربُ الشرف والتضحية والوفاء مع دربِ الشهادة، وعند هذه المحطّةِ يقف الرقيب الشهيد جورج أبو شعيا وقد أدّى واجبه العسكريّ خيرَ أداء، وترك خلفَه سيرةً ملؤها المناقبيةُ والالتزام والوطنية... ليلتحقَ بمن سبقوه من الشهداء الأبرار، ولترتقي روحه الطاهرة إلى مصاف الأبطال في سماء الخلود. لم يرضَ الشهيد جورج بأقلّ من التضحية بروحه لحماية الوطن من شر المجرمين ولا سيما تجار المخدرات. هؤلاء العابثون بأمننا ومجتمعنا ومحترفو الموت وجدوا شهيدنا بالمرصاد لهم أمس إلى جانب رفاق سلاحه، فأظهر أقصى الاندفاع والبطولة حتى استُشِهد مع اثنين من رفاقه.

وشدد على أنّ «المؤسسة العسكرية ستواصل تحمّل مسؤولياتها مهما عَظُمت، إيمانًا منها بأنّ خلاص لبنان لا يكون إلّا بقوّة جيشه، ووحدة شعبه في وَجه التحدّيات. وإنّ لنا في دماء شهدائنا الأبرار أمثال البطل جورج، خيرُ حافزٍ على متابعة المسيرة، فدماؤه لن تذهب هدرًا، وإرثه المشرق سَيُنير دربنا وسيبقى حاضرًا في وجداننا»...

 

في سطور

نعت قيادة الجيش الشهداء الثلاثة الذين سقطوا في مداهمة حورتعلا، وهم:

 

المعاون أول الشهيد حسن خليل شريف

نعت قيادة الجيش المعاون أول الشهيد حسن خليل شريف الذي استشهد بتاريخ ١٦/٢/٢٠٢٣.

- من مواليد ١٧/١١/١٩٨٩ مقراق، قضاء بعلبك، محافظة بعلبك- الهرمل.

- تطوّع في الجيش بتاريخ ٧/١٠/٢٠٠٨.

- حائز تنويه العماد قائد الجيش وتهنئته عدة مرات.

- متأهل وله ٣ أولاد.

 

الرقيب الشهيد بول أنطوان الجردي

نعت قيادة الجيش الرقيب الشهيد بول أنطوان الجردي الذي استشهد بتاريخ ١٦/٢/٢٠٢٣.

- من مواليد ٦/٩/١٩٩٩ في تعلبايا، قضاء زحلة، محافظة البقاع.

- تطوّع في الجيش بتاريخ ١٤/١١/٢٠١٨.

- حائز تنويه العماد قائد الجيش وتهنئته عدة مرات.

- عازب.

 

الرقيب الشهيد جورج فيليب أبو شعيا

نعت قيادة الجيش الرقيب الشهيد جورج فيليب أبو شعيا الذي استشهد بتاريخ ١٦/٢/٢٠٢٣.

- من مواليد ١٧/٣/٢٠٠١ في أبلح، قضاء زحلة، محافظة البقاع.

- تطوّع في الجيش بتاريخ ١٤/١١/٢٠١٨.

- حائز تنويه العماد قائد الجيش وتهنئته عدة مرات.

- عازب